لندن: محمد الطّورة
الفريق الدكتور خلف الجادر السرحان… حين يجتمع الطبيب بالإنسان والجندي بالوطن
هناك رجال تمرّ أسماؤهم في سجل الوطن، وهناك رجال يتركون في ذاكرة الناس أثراً لا تصنعه المناصب وحدها.
وحين نتحدث عن الفريق الطبيب خلف منصور الجادر السرحان، فإننا نتحدث عن واحد من أبناء عشيرة السرحان الكريمة، تلك العشيرة التي ارتبط اسمها برجال كان لهم حضورهم في مسيرة الدولة الأردنية، وفي مؤسساتها العسكرية والمدنية، وفي خدمة الوطن والمجتمع.
لكن الحديث عن الفريق الطبيب خلف الجادر السرحان لا ينبغي أن يتوقف عند الانتماء العشائري، ولا عند الرتبة العسكرية التي وصل إليها، وإنما عند رحلة إنسان وطبيب وجندي امتدت لعقود، جمع خلالها بين العلم والانضباط العسكري، وبين مسؤولية الطبيب ورهافة الإنسان.
تُشير المواد المنشورة في الأرشيف الصحفي إلى أن الجادر السرحان تلقى تعليمه في مدارس القوات المسلحة الأردنية، ثم أُوفد لدراسة الطب في اليونان، والتحق بعد تخرجه بالخدمات الطبية الملكية عام 1978 برتبة ملازم أول، ليبدأ مسيرة طويلة في الطب العسكري، تنقّل خلالها بين مواقع العمل والعيادات وغرف العمليات، قبل أن يصل إلى أعلى المراتب العسكرية والطبية. وقد أُحيل إلى التقاعد عام 2015 برتبة فريق. جوهرة العرب الإخباري
وهذه بحد ذاتها رحلة تستحق أن تُروى للأجيال.
فالرجل الذي بدأ طبيباً عسكرياً شاباً، انتهى به المطاف مديراً عاماً للخدمات الطبية الملكية، وهي مؤسسة تمثل أحد أعمدة المنظومة الصحية الأردنية، وتخدم العسكريين والمواطنين على حد سواء.
وخلال توليه إدارة الخدمات الطبية الملكية، يظهر في الأرشيف الرسمي حضوره في عدد كبير من المشاريع والافتتاحات والتطويرات. ففي عام 2013، تحدث عن خطط تطوير مرافق الخدمات الطبية، وتأهيل الكوادر الطبية، ومواكبة التطورات العالمية في الطب، كما أشار إلى حجم الخدمات التي كانت تقدمها المؤسسة للمراجعين في مختلف أنحاء المملكة.
وفي عهده شهدت مستشفيات الخدمات الطبية توسعات وإضافات في عدد من المحافظات. ففي مستشفى الأمير هاشم بن الحسين بالزرقاء، افتتح توسعة أضافت عشرات الأسرة وأقساماً طبية وغرف عمليات، ثم افتتح لاحقاً أقساماً جديدة للعناية الحثيثة والباطنية والعظام. كما افتتح في المستشفى قسم عيون متخصصاً كان مقرراً أن يستقبل مئات المرضى يومياً.
وفي العقبة أيضاً كان حاضراً في افتتاح عيادات تخصصية جديدة، في إطار توجه لتوسيع الخدمات الطبية في المحافظات وتخفيف عناء انتقال المرضى إلى مدينة الحسين الطبية.
ولعل اللافت في مسيرته أن اهتمامه لم يكن بالبنية الحجرية للمؤسسة الطبية فقط، بل بالإنسان الذي يقف خلف المهنة.
ففي إحدى كلماته خلال توقيع اتفاقية تعاون بين الخدمات الطبية الملكية وجامعة اليرموك عام 2013، أكد أهمية التعاون مع مؤسسات الوطن وتدريب طلبة الطب، وربط تطوير الخدمات الطبية بتطوير التعليم الطبي في الأردن.
كما ارتبط اسمه بمبادرة أصدقاء الخدمات الطبية الملكية التي أُطلقت عام 2015، وكان من أهدافها دعم المؤسسة وتمكينها من مواكبة التطورات الطبية، وربط ما تحقق في الماضي بما يمكن أن يُبنى عليه في المستقبل.
طبيب قبل أن يكون صاحب رتبة
ربما تكمن خصوصية الفريق الطبيب خلف الجادر السرحان في أن مسيرته العسكرية لم تطغَ على هويته الطبية.
فالمصادر الطبية تعرفه بوصفه استشارياً أول في جراحة الكلى والمسالك البولية وزراعة الكلى وعقم الرجال، وتذكر حصوله على البورد الأردني في الجراحة العامة والمسالك البولية، إضافة إلى تأهيل عالٍ في جراحة الكلى وزراعة الأعضاء من جامعة لندن، فضلاً عن عضويته في جمعيات وهيئات مهنية طبية. joromed.com
وهنا ربما نفهم شيئاً من شخصية الرجل.
فمن يدخل غرفة العمليات طبيباً، ثم يخرج منها ليحمل مسؤولية مؤسسة طبية عسكرية بهذا الحجم، لا يستطيع أن يرى المريض مجرد رقم في سجل، ولا يستطيع أن يتعامل مع الطب باعتباره وظيفة.
ولهذا فإن من عرفوا الفريق الطبيب خلف الجادر السرحان يتحدثون عنه بصورة مختلفة عن حديثهم عن صاحب رتبة أو منصب؛ يتحدثون عن إنسان قريب من الناس، متواضع، هادئ، واسع الصدر، قريب من القلب.
وقد تناولت صحف ومواقع أردنية سيرته بهذه الروح، فوصفته إحدى المواد الصحفية بأنه ابن البادية وقبيلة السرحان، وأنه جمع بين حياة الجندية والطب، وظل قريباً من مرضاه وأهله حتى بعد تقاعده.
الرتبة التي جاءت بعد مسيرة، لا قبلها
في 31 أيار 2015، صدرت الترتيبات التي أنهت خدمته مديراً للخدمات الطبية الملكية، وتم ترفيعه إلى رتبة فريق وإحالته إلى التقاعد. وكالة عمون الاخبارية
وهنا تتوقف أمامنا دلالة مهمة.
فالفريق الطبيب خلف الجادر السرحان لم يصل إلى هذه الرتبة من فراغ، وإنما جاءت بعد ما يقارب أربعة عقود من الخدمة منذ التحاقه بالخدمات الطبية الملكية طبيباً عسكرياً عام 1978.
ولهذا فإن الرتبة في سيرته ليست هي القصة؛ القصة هي ما سبق الرتبة وما بقي بعدها.
فبعد التقاعد لم يغادر الطب، ولم يغلق صفحة الخدمة العامة، بل واصل ممارسة تخصصه الطبي. وما تزال المصادر الطبية الحديثة تقدمه بوصفه استشارياً في جراحة الكلى والمسالك البولية، كما ظهر في عام 2026 متحدثاً في فعالية بمجلس الأعيان حول أهمية ترسيخ ثقافة التبرع بالأعضاء. Jordanian Senate
وهذا ربما هو أجمل ما في الحكاية:
أن الإنسان الحقيقي لا يتقاعد من رسالته.
وحين نتحدث عن أمثال هؤلاء…
ليس الهدف من استحضار سيرة الفريق الطبيب خلف الجادر السرحان إعادة فتح صفحات الماضي من باب التكريم فقط، ولا الوقوف عند الرتبة العسكرية التي وصل إليها.
الأوطان التي تعرف قيمة خبراتها لا تضع أصحاب التجارب الكبيرة في خانة الماضي.
فالرجل الذي أمضى عقوداً في الطب العسكري، وعمل مديراً عاماً للخدمات الطبية الملكية، وعاش تفاصيل غرف العمليات والمستشفيات والإدارة والتطوير والتعليم الطبي، يحمل اليوم رصيداً من المعرفة والخبرة لا توفره الشهادات وحدها.
ومن هنا، فإن الالتفات إلى أمثال هذه القامات الوطنية لا يعني بالضرورة منصباً جديداً أو موقعاً رسمياً؛ فقد تكون الاستفادة من خبرتهم في مجالس استشارية، أو لجان وطنية، أو برامج تطوير القطاع الصحي، أو تدريب الأجيال الجديدة من الأطباء، أو نقل تجربة الطب العسكري الأردني إلى الأجيال القادمة.
فبعض الرجال لا يحتاجون إلى أن يُقال لهم: خذوا دوراً؛ لأن دورهم الطبيعي موجود، وما تحتاجه المؤسسات فقط هو أن تفتح لهم الباب.
إنصاف قامة تستحق أن تُروى سيرتها
الفريق الطبيب خلف الجادر السرحان واحد من أولئك الذين يمكن أن تختصر سيرتهم بجملة:
طبيب حمل رسالة الطب، وجندي حمل شرف الخدمة، وإنسان بقي قريباً من الناس.
وإذا كانت عشيرة السرحان تفتخر بأحد أبنائها، فمن حق الوطن أيضاً أن يفتخر بكل من خدمه بإخلاص، بعيداً عن ضجيج الأضواء.
ولعل أجمل تكريم لرجل قضى عمره في خدمة الناس ليس أن نضع صورته في إطار، ولا أن نكتب عنه كلمات المديح ثم نطوي الصفحة؛ بل أن نسأل أنفسنا كيف يمكن أن نستفيد من خبرته اليوم.
فالوطن الذي يحفظ ذاكرة رجاله، يحفظ جزءاً من مستقبله.
والفريق الطبيب خلف الجادر السرحان، بما يحمله من تجربة عسكرية وطبية وإنسانية، يبدو واحداً من تلك القامات التي لا ينبغي أن تُنسى بمجرد انتهاء المنصب، لأن انتهاء المنصب لا يعني انتهاء الخبرة، ولا انتهاء العطاء.
وإذا كان هناك تكريم يليق به حقاً، فربما يكون أن تبقى تجربته حاضرة، وأن تُسمع خبرته، وأن يجد الجيل الجديد من الأطباء والعسكريين فيه سيرة رجل بدأ من البادية، وتعلم في مدارس الجيش، وسافر طالباً للعلم، وعاد طبيباً، ثم مضى في خدمة وطنه حتى وصل إلى رتبة فريق، وبقي بعد كل ذلك… طبيباً وإنساناً قريباً من القلب.
هذه هي السيرة التي تستحق أن تُحكى.