لندن: محمد الطّورة
في عالمٍ تُقاس فيه الفرص أحيانًا بالأسماء قبل الأفعال، قد يجد الإنسان نفسه في مواجهة تضييقٍ أو سوء فهم لا علاقة له بما قدّمه، بل بما يحمله من اسمٍ وانتماء. فبعض الأسماء تُستقبل بترحاب، وأخرى تُقابل بتحفّظٍ أو أحكامٍ مسبقة، دون أن يكون للفرد يدٌ في ذلك. ومع هذا كلّه، يبقى اسم العائلة أبعد من أن يُختزل في نظرةٍ عابرة، وأسمى من أن يُحمَّل ما ليس له.
فالإنسان الحرّ لا يرى في اسمه ما يُخفيه أو يساوم عليه، بل ما يتمسّك به بثقةٍ واعتزاز. إذ إن العائلة، بما تحمله من روابط وذكريات وجذور، ليست عبئًا يُلقى عند أول اختبار، بل قيمةٌ تُصان، حتى وإن لم تُرضِ الجميع. والارتباط بالأقارب ليس خيارًا مؤقّتًا تُحدّده الظروف، بل صلةٌ راسخة لا تنفصل عن معنى الهوية.
وسيظلّ كل فردٍ من أفراد العشيرة غصنًا من أغصان شجرة العائلة، لا ينفصل عنها وإن اختلفت اتجاهاته، ولا يفقد قيمته مهما تغيّرت نظرة الآخرين إليه. فالقوة الحقيقية للعائلة لا تكون في تشابه أفرادها، بل في بقائهم متّصلين بجذرٍ واحد، يمدّهم بالمعنى والانتماء.
إن الفخر بالاسم لا يعني غياب التحديات، بل القدرة على الثبات ، وعلى حمل الانتماء دون تردّد أو اعتذار. فبعض الناس قد يختصرون الأسماء في قوالب جاهزة، أما من يحملها حقًا، فيدرك أنها امتدادٌ لذاته، لا تفصيلٌ يمكن الاستغناء عنه.
لهذا، يبقى اسم العائلة فخرًا… لا يتغيّر بتغيّر المواقف، ولا يُقاس برضا الآخرين. ومن يتمسّك به، إنما يتمسّك بما هو أعمق من كل ظرف… يتمسّك بنفسه.
فحين يولد الإنسان، لا يختار اسمه ولا عائلته، بل يجد نفسه محمولًا على إرثٍ لم يصنعه، قد يكون نعمةً تفتح له الأبواب، أو عبئًا يثقل خطاه في كل طريق يسلكه. فاسم العائلة، الذي يفترض أن يكون مجرد علامة تعريف، يتحول في كثير من الأحيان إلى عامل حاسم في تشكيل مصير الفرد، بين من يجد فيه سندًا ومن يكتشف أنه قيدٌ خفي.
هناك من يولدون وأسماؤهم تسبقهم، تمهّد لهم الطريق وتمنحهم فرصًا قد لا تُتاح لغيرهم. يكفي أن يُذكر اسم العائلة حتى تُفتح الأبواب، وتُمنح الثقة، ويُفترض النجاح قبل أن يُثبت. في هذه الحالة، يصبح الاسم رأسمالًا غير مرئي، يُختصر به الجهد وتُختزل به المسافات. لكن في المقابل، هناك من يحملون أسماء ترتبط بصور نمطية أو بتاريخ مثقل بالمشكلات، فيدفعون ثمنًا لم يختاروه، ويُحاكمون بناءً على ما لم يفعلوه.
العبء الحقيقي لا يكمن فقط في نظرة الآخرين، بل في الصراع الداخلي الذي يعيشه الفرد. حين يشعر أن عليه أن يُثبت نفسه أكثر من غيره، أو أن يتبرأ من ماضٍ لا علاقة له به، يتحول الاسم إلى اختبار دائم. وقد يجد نفسه محاصرًا بين الرغبة في الانتماء لعائلته، والحاجة إلى التحرر من أثرها السلبي.
في مجتمع يفترض العدالة، يجب أن يكون معيار الحكم هو الفعل لا الاسم، والإنجاز لا النسب. فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما ورث، بل بما يصنع. ومع ذلك، يبقى الواقع مختلفًا، حيث تستمر الأسماء في لعب دورٍ يتجاوز حدودها الطبيعية.
لعل التحدي الأكبر هو أن ينجح الإنسان في إعادة تعريف اسمه بنفسه؛ أن يحوّل العبء إلى دافع، وأن يُثبت أن الهوية لا تُفرض بالكامل، بل يمكن إعادة تشكيلها بالإرادة والعمل. فبين من يولدون بطريقٍ معبّد، ومن يشقون طريقهم وسط التعقيد، يبقى الفرق الحقيقي في القدرة على صنع معنى جديد للاسم، لا الاكتفاء بحمله.
سأظلّ أحمل اسم عشيرتي بكل فخر، لا كاسمٍ يُتوارث، بل كعهدٍ ألتزمه ومسؤوليةٍ أرتقي بها. سأمضي به ثابتًا، أجعله دافعًا لا يتراجع، ورايةً أعمل تحتها بإخلاصٍ للوطن وقيادته، في أي عمل أقوم فيه. وسأثبت أن هذا الاسم ليس مجرد انتماء، بل قيمةٌ حيّة تُترجم عملًا وولاءً، كما كان دائمًا نهج أبناء العشيرة الذين خطّوا حضورهم في مؤسسات الوطن بصدق الانتماء وثبات الموقف.

