أكتب هذه السطور لا من برجٍ نظريٍّ معزول، ولا من تأمّلٍ ذهنيٍّ مجرّد، بل من عمق تجربةٍ شخصيةٍ قاسيةٍ وجدتُ نفسي فيها في مواجهةٍ مباشرة مع اختلال ميزانٍ يفترض به أن يكون عنوانًا للعدل. لقد عايشتُ لحظةً تداخلت فيها القوّة مع الحقّ حتى كادت تحجبه، واستُخدمت فيها أدوات السلطة على نحوٍ أفضى إلى إضاعة ما كان ينبغي أن يكون مصونًا. لم يكن الأمر خلافًا عابرًا، بل مسارًا طويلًا من المنازعات القضائية استنزف وقتي ومالي وجهدي، وعلّمني أن الطريق إلى العدالة قد يكون شاقًا حين تتقدّم القوّة على الحقّ.
غير أنّ تلك المعاناة، على امتدادها، لم تكن عبثًا. فقد كشفت لي أنّ الحقّ، وإن أُثقل بالقيود وأُرجئ إنصافه، يظلّ حاضرًا في ضمير العدالة، ينتظر من يثابر ويصبر حتى يبلغ مداه. وعندما صدر الحكم الذي أعاد الأمور إلى نصابها، لم يكن انتصارًا شخصيًّا فحسب، بل كان انتصارًا لمبدأٍ أكبر: أنّ القوّة التي لا تنضبط بميزان الحقّ قد تطغى حينًا، لكنها لا تستطيع أن تدوم. من هنا كانت رغبتي في الكتابة عن العلاقة الشائكة بين الحقّ والقوّة، وعن السؤال القديم المتجدّد: أيّهما أولى بالتقدّم على الآخر؟
إنّ مسألة الحقّ والقوّة من أقدم الإشكالات الفكرية التي ناقشها الفلاسفة عبر العصور، من أمثال أفلاطون وتوماس هوبز وجان جاك روسو، إذ حاول كلٌّ منهم أن يحدّد موقع العدالة من السلطة، وحدود القوّة في مواجهة الحقّ. فالحقّ في جوهره قيمة أخلاقية وقانونية تعبّر عن استحقاق مشروع يقوم على العدل والإنصاف، وهو يستمدّ شرعيته من مبادئ سامية تعترف بكرامة الإنسان وتصون مصالحه. أمّا القوّة فهي القدرة على التأثير وفرض الإرادة، سواء تمثّلت في سلطة سياسية أو نفوذ إداري أو قدرة مادية أو معنوية.
تكمن الإشكالية حين تنفصل القوّة عن الحقّ، فتتحوّل من وسيلة لحماية النظام الحكومي إلى أداة للهيمنة والتغوّل. فالقوّة التي لا يقيّدها الحقّ تصبح استبدادًا، وتفقد مشروعيتها الأخلاقية مهما امتلكت من أدوات السيطرة. وفي المقابل، فإنّ الحقّ الذي لا تحميه قوّة عادلة يبقى ضعيفًا، عرضةً للتجاهل أو الانتهاك. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى توازن دقيق يجعل القوّة في خدمة الحقّ لا في مواجهته.
لقد علّمتني تجربتي أنّ القوّة قد تربح جولة، لكنها لا تستطيع أن تربح التاريخ إن كانت مجرّدة من العدل. فالشرعية الحقيقية لا تُستمدّ من القدرة على الفرض، بل من مطابقة الفعل لمعيار الحقّ. وعندما تتقدّم القوّة على الحقّ تختلّ الموازين، ويعمّ الشعور بالظلم، وتتزعزع الثقة في المؤسسات. أمّا حين يخضع استعمال القوّة لضوابط القانون والعدالة، فإنها تتحوّل إلى ضمانة لحماية الحقوق وصيانتها.
إنّ القول بتقدّم أحدهما على الآخر على نحوٍ مطلق يختزل المسألة، غير أنّ الأولوية من حيث المبدأ ينبغي أن تكون للحقّ، لأنّه المعيار الذي يمنح القوّة معناها وحدودها. فالقوّة أداة، أمّا الحقّ فهو الغاية. وإذا ما انعكست المعادلة، صارت الغاية خاضعة للأداة، وضاعت القيم تحت وطأة النفوذ.
وهكذا أخلص إلى أنّ الحقّ هو الأساس الذي ينبغي أن تتأسّس عليه كلّ قوّة، وأنّ القوّة العادلة وحدها هي التي تستمدّ شرعيتها من خدمتها للحقّ. قد يتأخّر انتصار الحقّ، وقد يتطلّب صبرًا ومواجهةً طويلة، لكنّه حين يجد من يتمسّك به ومن يدافع عنه، يثبت أنّ القوّة مهما تعاظمت لا تستطيع أن تطمس نور العدالة إلى الأبد.

