20
لندن: محمد الطورة – أبو مهند
على مدى ما يقارب ثلاثة عقود من الخدمة في سفارتي المملكة الأردنية الهاشمية في لندن وواشنطن، كان لي شرف العمل إلى جانب نخبة من خيرة القامات الدبلوماسية الأردنية التي أسهمت بعلمها وخبرتها وحكمتها في تعزيز مكانة الأردن وحضوره الفاعل على الساحة الدولية. وقد تشرفت بالخدمة بمعية كلٍ من السفراء: الدكتور ألبرت بطرس، والسيد فؤاد أيوب، ومعالي الدكتورة علياء بوران، والسيد مازن الحمود، والسيد عمر النهار، ومعالي السيد منار الدباس، وهم جميعاً من الرموز الوطنية التي تركت بصمات واضحة في مسيرة الدبلوماسية الأردنية الحديثة.
لقد شكّل العمل تحت قيادة هؤلاء السفراء مدرسة دبلوماسية متكاملة، تجسدت فيها أعلى معايير المهنية والانضباط، وحُسن التمثيل، والالتزام الثابت بالمصالح العليا للمملكة الأردنية الهاشمية، حيث كان الأداء الدبلوماسي قائماً على الرؤية الاستراتيجية، والحكمة السياسية، والقدرة على إدارة العلاقات الدولية بكفاءة واقتدار.
تُعد سفارة المملكة الأردنية الهاشمية في لندن واحده من أهم البعثات الدبلوماسية الأردنية في الخارج، لما تضطلع به من دور محوري في ترسيخ وتطوير العلاقات الأردنية – البريطانية، تلك العلاقات التاريخية التي تشهد تطوراً مستمراً في ظل القيادة الهاشمية الحكيمة، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه، الذي يولي الدبلوماسية الأردنية اهتماماً خاصاً بوصفها أداة فاعلة في تعزيز مكانة الأردن السياسية والاقتصادية على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وقد أسهم كل من اًصحاب المعالي والسعادة السفراء الدكتور ألبرت بطرس ، السيد فؤاد أيوب ، معالي الدكتورة علياء بوران، سعادة السيد مازن الحمود، سعادة السيد عمر النهار، معالي السيد منار الدباس.الذين تعاقبوا على قيادة السفارة في لندن بإضافات نوعية ومؤثرة، عززت من مستوى التنسيق السياسي، والتعاون الثنائي، وبناء الشراكات الاستراتيجية مع المملكة المتحدة، بما يخدم مصالح البلدين الصديقين ويعكس الصورة المشرّفة للأردن دولةً ومؤسساتٍ وقيادة.
ولا يمكن إغفال الدور الريادي الذي قامت به هذه السفارة بوصفها بيئة حاضنة لإعداد القيادات الوطنية، حيث خرج من صفوفها عدد من رؤساء الوزراء الذين خدموا المملكة في مراحل مفصلية، وكان آخرهم دولة الدكتور بشر الخصاونة، الأمر الذي يؤكد عمق التجربة المؤسسية وغنى الإرث الدبلوماسي الذي تمثله هذه السفارة العريقة.
أما عملي في مجال التشريفات والمراسم، فقد أتاح لي شرف التعامل المباشر مع أفراد الأسرة الهاشمية من أصحاب السمو الأمراء والأميرات، في مناسبات رسمية وبروتوكولية مختلفة، حيث لمست عن قرب ما يتحلون به من أخلاق هاشمية رفيعة، تقوم على التواضع، والانضباط، والالتزام، والاحترام العميق للآخر، وهي القيم ذاتها التي يشهد بها كل من عرفهم وتعامل معهم، وتعكس نهج القيادة الهاشمية الحكيمة المتجذر في المسؤولية والقدوة.
كما تشرفت، من خلال عملي في المراسم، باستقبال ومرافقة كبار رجالات الدولة الأردنية خلال زياراتهم الرسمية إلى المملكة المتحدة، من رؤساء وزارات، ورؤساء مجالس الأعيان والنواب ورؤساء هيئات قضائية، ورؤساء الديوان الملكي الهاشمي وموظفي الديوان، وأعضاء السلطة القضائية، وقادة القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، وقادة ومديري الأجهزة الأمنية، إضافة إلى الوفود الرسمية والشخصيات الوطنية، فضلاً عن استقبال عدد كبير من الإخوة المواطنين الأردنيين زوار المملكة المتحدة، وذلك بما ينسجم مع أعلى المعايير البروتوكولية، ويعكس صورة الأردن المشرّفة ومكانة مؤسساته وقيادته.
كما لا يسعني إلا أن أعبّر عن بالغ التقدير والاعتزاز بزملائي وزميلاتي من العاملين في البعثتين الدبلوماسية في لندن وواشنطن، الذين كانوا على امتداد سنوات الخدمة نموذجاً في الإخلاص والتفاني والعمل بروح الفريق الواحد، وشكلوا أسرة مهنية متماسكة، سادها الاحترام المتبادل والشعور العميق بالمسؤولية الوطنية.
وختاماً، فإن مسيرتي المهنية مع هذه الكوكبة المتميزة من السفراء والقامات الوطنية الأردنية، وآخرهم وقبيل إحالتي إلى التقاعد، معالي الأخ والصديق السيد منار الدباس، تشكّل خلاصة تجربة ثرية ومصدر فخر واعتزاز عميق. فقد سبق لمعاليه، قبل تسلمه مهامه سفيراً للمملكة الأردنية الهاشمية لدى المملكة المتحدة، أن شغل مواقع وطنية بالغة الأهمية، أبرزها عمله مستشاراً ومديراً لمكتب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله، بالتزامن مع توليه مهام مدير مكتب سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، الأمر الذي أكسبه خبرة استراتيجية رفيعة، وفهماً عميقاً ودقيقاً لتوجهات القيادة الهاشمية في مجالات السياسة الدولية والعلاقات الدبلوماسية.
وقد انعكست هذه الخبرات المتراكمة بوضوح على أدائه الدبلوماسي في العاصمة البريطانية، حيث قاد معاليه حراكاً دبلوماسياً نشطاً ومؤثراً في مراكز صنع القرار في المملكة المتحدة، أسهم بشكل ملموس في تعزيز استمرارية العلاقات الأردنية – البريطانية وترسيخها على أسس راسخة من الثقة والتعاون والشراكة الاستراتيجية. وإلى جانب ذلك، لم يغفل معاليه عن أهمية التواصل المستمر والفاعل مع الجالية الأردنية في المملكة المتحدة، من مقيمين، ورجال أعمال، وطلبة، حيث حرص على التواصل المباشر معهم، ودعوتهم الدائمة إلى مبنى السفارة للتشاور والاستماع إلى قضاياهم، وتقديم كل ما أمكن من دعم ومساندة، بما يعزز روح الانتماء ويجسد الدور الشامل للسفارة كمظلة وطنية جامعة.
كما أولى معاليه اهتماماً خاصاً باستقبال الوفود الرسمية الأردنية الزائرة لبريطانيا، وحرص على توفير أعلى درجات الدعم والمساندة لها، بما ينسجم مع متطلبات العمل الرسمي والبروتوكولي، ويعكس الصورة المشرّفة للأردن ومؤسساته في مختلف المحافل. وقد تجسدت حصيلة هذه الجهود المتكاملة في الزخم المتواصل للزيارات الرسمية المتبادلة بين البلدين الصديقين، بما يؤكد المكانة الرفيعة التي يحظى بها الأردن، والدور الفاعل الذي تؤديه دبلوماسيته في ظل القيادة الهاشمية الحكيمة.
وفي الختام، أتقدم بجزيل الشكر وعظيم الامتنان لكل من تشرفت بالعمل بمعيتهم من سفراء وزملاء دبلوماسين وإداريين، ولكل من أسهم في إنجاح مسيرة عملي المهنية في السفارات الأردنية، سائلاً الله العلي القدير أن يحفظ الأردن وقيادته الهاشمية، وأن يديم عليه نعمة الأمن والاستقرار، وأن يوفق أبناءه المخلصين لمواصلة مسيرة العطاء والبناء والإنجاز في خدمة الوطن الغالي.
حفط الله الأردن عزيزاً قوياً أمنناً مستقراً.

