لندن: محمد الطّورة
في زمنٍ تختلط فيه الحسابات القانونية بالتجاذبات السياسية، وتتعالى فيه الأصوات على حساب النصوص، يبرز اسم الأستاذ المحامي راتب النوايسة بوصفه نموذجًا لرجل القانون الذي آمن منذ اليوم الأول لممارسته مهنة المحاماة أن الانحياز يجب أن يكون للحق وحده، وأن ميزان العدالة لا يُرجَّح إلا بالحجة والبرهان، لا بالصخب ولا بالرهان.
فلسفة قانونية: لا قضية بلا جدوى
لم تكن المحاماة عند الأستاذ راتب النوايسة مجرد مهنة تُمارَس، بل رسالة تُحمل. ومن يعرفه عن قرب يدرك أنه لا يقبل قضية يرى أن نسبة النجاح فيها ضئيلة لاعتبارات قانونية موضوعية. ليس ترددًا، ولا خوفًا من الخسارة، وإنما احترامٌ لوقت الناس، وحرصٌ على ألا تُباع لهم أوهام في سوق الأماني.
هو يرفض أن يمنح موكله أملاً في الهواء، كما يرفض أن يُثقل كاهل القضاء بقضية لا تستند إلى أساس متين. وفي هذا الموقف تتجلى أخلاقيات مهنية عالية: فالمحامي، في نظره، ليس تاجر نزاعات، بل شريك في تحقيق العدالة، ومسؤول أمام ضميره قبل أن يكون مسؤولًا أمام موكله.
بين البعد القانوني والظل السياسي
القضية الأخيرة التي تُوِّجت بها مسيرته المهنية تمثل محطة مفصلية تكشف عمق رؤيته القانونية وصلابة أدواته. فقد ربح دعوى مهمة تمحورت حول إسقاط عضوية أحد النواب من أحد الأحزاب، وما ترتب على ذلك من فقدانه لعضويته في مجلس النواب الأردني.
هذه القضية لم تكن مجرد نزاع إجرائي، بل كانت ذات أبعاد قانونية وسياسية دقيقة؛ إذ تداخل فيها قانون الأحزاب مع النظام الدستوري المنظم لعضوية البرلمان، وتقاطعت فيها إرادة التنظيم الحزبي مع مقتضيات التمثيل النيابي. كثيرون راهنوا على أن القضية لن تُكسب، لا لضعف الحجة، بل لتعقيد السياق وتشابك الاعتبارات.
غير أن ما حدث كان درسًا في أن النصوص إذا أُحسن فهمها، والقانون إذا قُرئ بروحه قبل حرفه، فإن العدالة تجد طريقها. لقد انتصر القضاء العادل، مدعومًا بحكمة المحامي ودقته، فكان الحكم عنوانًا لاحترام سيادة القانون، وتأكيدًا على أن الشرعية الدستورية لا تُدار بالمزاج، بل تُحسم بالنص والاجتهاد الرصين.
شهادة المهنة… شهادة سمعتها بأذني
وأما عن شهادة أهل المهنة، فهي في تقديري أصدق من أي وسامٍ يُعلَّق أو لقبٍ يُمنح. وأقولها هنا بضمير الشاهد لا الناقل: لقد كنت شخصيًا حاضرًا في غير مجلس من مجالس رجال القانون، قضاةً ومحامين، وكنت أذكر اسم الأستاذ راتب النوايسة على مسامعهم، فكان الجواب يأتي عفويًا، بلا تكلّف ولا مجاملة: “أبو محمد أستاذ كبير”.
لم تكن كلمات مرتبة سلفًا، ولا عبارات دبلوماسية عابرة، بل انطباعات صادقة تصدر عن أهل الاختصاص الذين لا يجاملون في ميزان الكفاءة. تلك اللحظات التي سمعت فيها هذه الإشادات كانت بالنسبة لي شهادة حيّة على مكانته، وعلى أن التقدير الذي يحظى به نابع من تجربة مهنية راسخة، لا من دعاية أو حضور إعلامي.
وأنا أحد الذين تحقق لهم الحق على يديه، وأشهد أن ما يُقال عنه في المجالس ينسجم تمامًا مع ما يراه من تعامل معه عن قرب: جدارة، اتزان، وحرص على أن يبقى القانون هو الفيصل.
المحاماة… عمل إنساني قبل أن تكون مهنة
“أبو محمد”، كما يحب محبوه أن ينادوه، يرى في المحاماة عملًا إنسانيًا قبل أن تكون مصدر دخل. فالقضية عنده ليست رقمًا في ملف، بل قصة إنسان يبحث عن حقه. لذلك كان حريصًا على أن تسبق القيمُ المصالحَ، وأن تتقدم الرسالة على المنفعة.
هذا الفهم الإنساني للمهنة يفسر سر الاحترام الذي يحظى به، ويفسر أيضًا لماذا تحقق لكثيرين الحق على يديه. فهو لا يترافع بحثًا عن انتصار شخصي، بل عن تثبيت مبدأ، ولا يدخل معركة إلا بعد أن يوقن أن في جعبته من الحجة ما يكفي لإقناع قاضٍ عادل.
انتصار القانون… لا انتصار الشخص
إن الفوز في القضية الأخيرة لم يكن انتصارًا لشخص على آخر، ولا لحزب على آخر، بل كان انتصارًا لفكرة الدولة القانونية التي تحتكم إلى الدستور، وتُعلي من شأن النص، وتُخضع الجميع – أفرادًا ومؤسسات – لحكم القانون.
وهكذا تُختتم هذه المحطة من مسيرة الأستاذ راتب النوايسة بتأكيد أن العدالة ليست شعارًا، بل ممارسة يومية، وأن المحامي الحقيقي ليس من يكثر القضايا، بل من ينتقيها بعين القانون وضمير الإنسان.
فطوبى لرجلٍ جعل من المحاماة موقفًا أخلاقيًا، ومن القانون رسالة، ومن الانحياز للحق عهدًا لا يحيد عنه.

