لندن: محمد الطّورة
العلاقة الأردنية–الإماراتية نموذجًا في الشراكة المتوازنة
والعلاقة الأردنية–الإماراتية نموذجًا في الشراكة المتوازنة
منذ سبعينيات القرن الماضي، أتاحت لي تجربة العيش والعمل في دولة الإمارات العربية المتحدة الاطلاع عن قرب على عمق العلاقة التي جمعت الأردن بالإمارات، ليس فقط على المستوى الرسمي، بل في بعدها الإنساني والأخوي. وخلال فترة عملي في الدائرة الخاصة للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، كان اسم الأردن، وقيادته، وشعبه، يُذكر دائمًا بكل تقدير واحترام، في مشهد عكس متانة الروابط التي تشكلت بين البلدين منذ مراحل مبكرة.
وكان من اللافت في تلك المرحلة أن يُشار إلى رجال الأردن بوصفهم «النشامى»، في تعبير صادق عن الثقة والاعتزاز، ويعكس صورة متجذّرة عن الأردن وأبنائه في الوعي الإماراتي، وهي صورة لم تكن وليدة ظرف سياسي عابر، بل نتاج علاقة قائمة على الاحترام المتبادل والتقدير المتراكم.

وتعزز هذا الفهم لاحقًا خلال عملي في السفارات الأردنية في كل من واشنطن ولندن، حيث أتاح الاحتكاك المباشر مع الإخوة العاملين في سفارات دولة الإمارات العربية المتحدة فرصة واسعة لمعايشة مستوى رفيع من التنسيق والتفاهم، تجاوز الإطار الرسمي ليعكس روحًا أخوية في المواقف والتعامل.
ومن هذه التجربة، يتضح الأساس الذي تقوم عليه العلاقات الأردنية مع الدول العربية عمومًا، والذي يستند إلى نهج سياسي راسخ يقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتشاور المستمر بين القيادات، بما يعزز العمل العربي المشترك ويسهم في دعم الاستقرار الإقليمي، وهو نهج أصبح سمة أساسية للسياسة الخارجية الأردنية عبر مختلف المراحل.
وفي هذا الإطار، تبرز العلاقة الأردنية–الإماراتية بوصفها إحدى العلاقات العربية المتميزة، التي قامت على رؤية مشتركة وأسس واضحة، أرساها القادة المؤسسون في البلدين، المغفور له بإذن الله جلالة الملك الحسين بن طلال، والمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حيث اتسمت تلك المرحلة بتقارب في المواقف، وحرص متبادل على دعم القضايا العربية، وتعزيز التضامن بين الدول الشقيقة.
وتواصل هذه العلاقة مسيرتها اليوم في ظل قيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، من خلال تنسيق سياسي متواصل وتشاور دائم حول مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك على المستويين الإقليمي والدولي.
وتحظى القضايا العربية المركزية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، بمكانة ثابتة ضمن هذا التشاور، حيث يجري التعامل معها من منطلق الالتزام بالمواقف العربية، ودعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والعمل ضمن الأطر السياسية والدبلوماسية المعتمدة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تشهد العلاقات بين الأردن ودولة الإمارات تطورًا ملحوظًا، يتمثل في حركة تجارية نشطة، واستثمارات فاعلة في عدد من القطاعات الحيوية، إلى جانب تعاون متواصل في مجالات تبادل الخبرات وبناء القدرات، والاستفادة من الإمكانات المتاحة لدى البلدين.
كما يشكّل وجود الكوادر الأردنية المؤهلة في دولة الإمارات أحد أوجه هذا التعاون، حيث تسهم هذه الكفاءات في مختلف القطاعات، ضمن إطار علاقة تقوم على الثقة المهنية والتكامل في الموارد البشرية، بما يعزز الروابط الاقتصادية والاجتماعية بين الشعبين الشقيقين.
وفي المجال السياسي والدبلوماسي، يندرج التعاون الأردني–الإماراتي ضمن سياق أوسع من التنسيق العربي، يهدف إلى دعم الاستقرار، وتعزيز الحوار، والتعامل مع التحديات الإقليمية عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية.
وتضطلع السفارة الأردنية في أبو ظبي بدور دبلوماسي فاعل في متابعة العلاقات الثنائية وتسهيل مجالات التعاون، إلى جانب الدور الذي تقوم به سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة في عمّان، بما يعكس مستوى التفاهم والتنسيق القائم بين البلدين.
إن العلاقة الأردنية–الإماراتية، بما تحمله من تاريخ مشترك، ورؤية سياسية متقاربة، وتعاون مستمر في مختلف المجالات، تمثل نموذجًا لعلاقات عربية قائمة على التوازن والاحترام المتبادل والعمل المشترك، وتؤكد أن النهج الذي أرسته القيادات المؤسِّسة، وتواصل ترسيخه القيادات الحالية، لا يزال حاضرًا وقادرًا على مواجهة التحديات وصناعة مستقبل أكثر استقرارًا وتعاونًا للمنطقة بأسرها.

