لندن: محمد الطّورة
بين الغربة والوطن… حكاية أربعة عقود من الوفاء للأردن
لم تكن الغربة بالنسبة لي مجرد رحلة بحث عن حياة جديدة، ولا انتقالاً عابراً بين جغرافيا وأخرى، بل كانت اختباراً يومياً لمعنى الانتماء، وامتحاناً حقيقياً لصلابة العلاقة التي تربط الإنسان بوطنه الأول. فمنذ أكثر من أربعة عقود، حين استقرت بي الحياة في بلاد الإغتراب، اكتشفت أن الأوطان لا تقاس بالمسافات، وأن الروح التي تشربت حب أرضها لا تستطيع أن تنفصل عنها مهما ابتعدت.
لقد كان الأردن بالنسبة لي أكثر من وطن أحمله في جواز السفر؛ كان وما يزال جزءاً من تكويني الفكري والوجداني، وركناً ثابتاً في معادلة حياتي. فكلما امتدت سنوات الغربة، ازداد حضوره في داخلي رسوخاً وعمقاً، وكأن البعد الجغرافي كان يقابله اقتراب روحي أكبر. أدركت مع مرور الزمن أن الوطن ليس المكان الذي نعيش فيه فحسب، بل المكان الذي يعيش فينا.
وعلى امتداد هذه العقود الطويلة، كنت أتابع الأردن بعين المحب الحريص، أفرح لإنجازاته كما يفرح الأب بنجاح أبنائه، وأحزن لكل عثرة أو تحدٍ يواجهه. لم يكن ذلك من باب العاطفة العابرة، بل من إيمان راسخ بأن الوطن يظل مسؤولية أخلاقية وإنسانية، حتى لمن أبعدتهم عنه ظروف الحياة.
ومن هذا الشعور العميق بالانتماء، ولدت فكرة تأسيس موقع “العموم نيوز” في لندن. لم يكن المشروع مجرد منصة إخبارية جديدة تضاف إلى فضاء الإعلام العربي، بل كان محاولة واعية للحفاظ على خيط الوصل المتين مع الأردن، وتجسيداً عملياً لقناعة راسخة بأن الكلمة الوطنية الصادقة تستطيع أن تبني جسوراً بين المغترب ووطنه مهما اتسعت المسافات.
في “العموم نيوز” سعيت إلى أن يكون الأردن حاضراً في كل ما نكتب وننشر، لا من باب المجاملة أو الانحياز الأعمى، بل من منطلق المسؤولية الوطنية. فالوطنية الحقيقية لا تقوم على التغاضي عن الأخطاء، كما أنها لا تقوم على تضخيم السلبيات أو بث روح الإحباط. إنما هي القدرة على رؤية الصورة كاملة؛ تعظيم الإيجابيات وتشجيعها، وتسليط الضوء على التحديات والسلبيات بهدف معالجتها وتجاوزها.
لقد آمنت دائماً بأن الإعلام المسؤول لا يكون خصماً للوطن، بل شريكاً في بنائه. فالكلمة الصادقة ليست معول هدم، وإنما أداة إصلاح، والنقد الموضوعي ليس خروجاً على الانتماء، بل تعبيراً راقياً عنه. ولذلك كان هدفي أن يبقى “العموم نيوز” مساحة للحوار الهادف، ومنبراً للكلمة المسؤولة التي تنحاز للحقيقة وللمصلحة الوطنية العليا.
ومن هنا، فإنني أرى أن من واجبنا جميعاً أن نطالب بتهيئة بيئة إعلامية أكثر انفتاحاً واحتضاناً للمبادرات الوطنية الجادة، سواء داخل الأردن أو خارجه. فالإعلام الحر والمسؤول ليس عبئاً على الدولة، بل أحد أهم ركائز قوتها واستقرارها. والدول التي تثق بنفسها وبمؤسساتها لا تخشى الرأي، بل تفسح له المجال ليشارك في البناء والتطوير.
إن الأمل يظل معقوداً على الجهات ذات الاختصاص في أن تواصل العمل على توفير مناخ إعلامي أكثر مرونة وثقة، يتيح للمؤسسات الإعلامية الوطنية أن تؤدي رسالتها بكل يسر وسهولة، بعيداً عن التعقيدات والعراقيل التي قد تُضعف قدرتها على العطاء. فالإعلامي الوطني لا يحمل أجندة ضد وطنه، بل يحمل هاجساً دائماً يتمثل في خدمته والدفاع عن مصالحه وتعزيز مكانته.
ومن الضروري أيضاً أن تُبنى القرارات المتعلقة بالشأن الإعلامي على أسس مهنية تصدر عن الجهات الإعلامية المختصة، باعتبارها الأقدر على فهم طبيعة هذا القطاع واحتياجاته، بما يضمن وضوح المرجعيات ويعزز الثقة ويجنب تداخل الاختصاصات الذي قد ينعكس على تطور العمل الإعلامي ورسالة الإعلام الوطنية
كما أن من الضروري أن يسود منطق الشراكة بين المؤسسات الرسمية والوسائل الإعلامية، وأن تُبنى العلاقة على الثقة المتبادلة لا على الشكوك المسبقة. فكل مشروع إعلامي جاد يستحق أن يُمنح الفرصة ليبرهن على وطنيته ومهنيته، لا أن يُحاكم على النوايا أو يُنظر إليه بعين الريبة قبل أن يبدأ.
لقد علمتني الغربة أن الوطن لا يكبر بالصمت، بل بالحوار، ولا يتقدم بتكرار الأصوات ذاتها، بل بتكامل الآراء والاجتهادات المخلصة التي يجمعها هدف واحد هو رفعة الأردن وصون منجزاته. وعلمتني أيضاً أن قوة الدول الحديثة لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد وإمكانات، بل بقدرتها على استيعاب التنوع الفكري، واحترام الكلمة الحرة المسؤولة، والاستفادة من طاقات أبنائها أينما كانوا.
وها أنا بعد أكثر من أربعين عاماً من الغربة، ما زلت أؤمن بأن الإنسان قد يبتعد عن وطنه، لكنه لا يستطيع أن يغادره حقاً. فالأردن لم يكن بالنسبة لي محطة عابرة في مسيرة الحياة، بل كان وسيبقى الأصل الذي أعود إليه بالفكر والوجدان، والراية التي أعتز بالانتماء إليها، والحكاية التي لا تنتهي.
ولهذا سيظل قلمي منحازاً للأردن وقيادته الهاشمية ، وستبقى كلمتي مكرسة لخدمته، وسيبقى “العموم نيوز” نافذة مفتوحة على الوطن، تنقل نبضه، وتواكب قضاياه، وتحتفي بإنجازاته، وتسهم في مناقشة تحدياته بروح المسؤولية والمحبة. لأن الأوطان التي نسكنها في قلوبنا لا تغيب، مهما طال السفر، ومهما امتدت سنوات الغربة.
ختاماً لا بد من القول ….أن ليس كل نقدٍ خصومة… وليس كل صمتٍ ولاء

