حين دعا الأمير الأردني الحسن بن طلال، ولي عهد الأردن الأسبق، إلى شطب كلمة «الأقليات» من القاموس الأردني، خلال كلمة ألقاها في ديوان عزاء شهداء الكرك، لم يكن يتحدث عن مفردة لغوية عابرة، بل كان يفتح باباً واسعاً للنقاش حول ثقافة المجتمع، وطبيعة العلاقة بين مكوناته، وكيفية النظر إلى مفهوم المواطنة والانتماء.
الأمير الحسن، المعروف باهتمامه بالفكر والثقافة والحوار الإنساني، يطرح من خلال هذه الدعوة سؤالاً يتجاوز حدود الأردن إلى المجتمعات العربية عموماً: لماذا نُصرّ على تصنيف الناس وفق أعدادهم وانتماءاتهم، بدلاً من النظر إليهم بوصفهم شركاء متساوين في الوطن والحقوق والواجبات؟
ثمة كلمات تدخل إلى ثقافة المجتمعات بهدوء، ثم تستقر في الوعي الجمعي حتى تصبح جزءاً من اللغة اليومية، دون أن نتوقف كثيراً أمام ما تحمله من دلالات، وما يمكن أن تتركه من آثار في تشكيل نظرتنا إلى بعضنا البعض.
ومن بين هذه المصطلحات تعبير «الأقليات»، الذي يستحق أن نعيد النظر فيه، لا من باب الخصومة مع اللغة أو إنكار التنوع داخل المجتمع الأردني، وإنما من باب حماية ثقافة المواطنة، وصون فكرة المجتمع الواحد الذي لا ينبغي أن يُصنّف أبناؤه وفق معادلات العدد والأكثرية والأقلية.
– لماذا نُصرّ على تسمية بعضنا أقليات؟
ومن الذي قرر أن يكون هذا المكوّن أقلية، وذاك أكثرية؟ وهل تتحول قيمة الإنسان ومكانته الوطنية إلى مسألة حسابية ترتبط بعدد المنتمين إلى هذه الجماعة أو تلك؟
إن الإشكالية ليست في وجود تنوع ديني أو ثقافي أو اجتماعي، فهذا التنوع جزء من طبيعة المجتمعات وتاريخها، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع هذا التنوع، وفي اللغة التي نختارها للتعبير عنه.
الأردن، بتاريخه الاجتماعي والثقافي، ليس مجتمعاً مغلقاً على لون واحد أو خلفية واحدة. هو مساحة وطنية تشكلت عبر أجيال، وتداخلت فيها العائلات والعشائر والمكونات الدينية والثقافية، وأسهم أبناؤها في بناء الدولة ومؤسساتها، وفي التعليم والاقتصاد والسياسة والثقافة والإعلام والجيش والإدارة العامة.
فكيف يمكن اختزال هذا التاريخ المشترك في تعبير يضع بعض الأردنيين في خانة الأكثرية، وآخرين في خانة الأقلية؟
– اللغة تصنع المسافات أحياناً
ليست الكلمات بريئة دائماً من آثارها الاجتماعية. فحين نكرر وصف جماعة من المواطنين بأنها أقلية، فإننا، بقصد أو من دونه، نضعها في موقع مختلف عن بقية المواطنين، ونصنع مسافة رمزية بين أبناء الوطن الواحد.
وقد يشعر بعض الناس بأنهم موضوع تصنيف، لا شركاء متساوون في الانتماء والمصير. وهنا تتحول اللغة من وسيلة للتعبير عن التنوع إلى وسيلة لإعادة إنتاج الفواصل الاجتماعية.
وليس المطلوب أن ننكر الخصوصيات الثقافية أو الدينية، أو أن نتجاهل حق الجماعات في الحفاظ على تراثها وهويتها ومعتقداتها. على العكس تماماً، المطلوب أن نحترم هذه الخصوصيات دون أن نجعلها سبباً للتقسيم أو التصنيف أو وضع المواطنين في مراتب اجتماعية متخيلة.
– الأردن.. حكاية مجتمع لا تصنيفات
في الأردن، لا ينبغي أن يكون السؤال: كم عدد أبناء هذا المكوّن أو ذاك؟ بل كيف نحمي حق الجميع في المواطنة، وكيف نعزز شعور كل أردني بأنه شريك كامل في وطنه؟
فالأردني لا يصبح أكثر أردنية لأنه ينتمي إلى جماعة أكبر عدداً، ولا تقل مواطنته لأنه ينتمي إلى جماعة أصغر عدداً.
هذه المعادلة ينبغي أن تكون حاضرة في خطابنا الثقافي والإعلامي والتعليمي، وفي مناهجنا وطريقة حديثنا عن المجتمع وتاريخه.
إننا بحاجة إلى ثقافة وطنية تتعامل مع التنوع باعتباره ثراءً اجتماعياً، لا ملفاً يحتاج إلى تصنيفات، ومع الاختلاف باعتباره حقاً إنسانياً، لا مناسبة لاستدعاء مفردات تكرس الانقسام.
– من الأقليات إلى شركاء الوطن
ربما آن الأوان لأن نراجع هذا الاصطلاح في خطابنا العام، وأن نتحرر من استخدامه التلقائي كلما تحدثنا عن مكونات المجتمع الأردني.
فبدلاً من «الأقليات»، يمكننا الحديث عن التنوع الأردني، والمكونات الاجتماعية والثقافية والدينية، والتعددية التي تشكل جزءاً من صورة المجتمع وتاريخه.
ولا يعني ذلك إلغاء المصطلح من الدراسات الديمغرافية أو القانونية حين تكون له ضرورة علمية أو حقوقية محددة، وإنما يعني رفض تحويله إلى هوية اجتماعية دائمة، أو إلى عنوان يختصر علاقة المواطنين ببعضهم البعض.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الثقافة هو أن تجعل الإنسان يرى جاره وشريكه في الوطن من خلال خانة تصنيفية، بدلاً من أن يراه مواطناً له الحقوق ذاتها وعليه الواجبات ذاتها.
نحن بحاجة إلى لغة تجمع ولا تفرق، وإلى خطاب وطني لا يستحضر الفوارق العددية إلا عندما تقتضيها ضرورة البحث والمعرفة، لا عندما يتعلق الأمر بتحديد مكانة الناس في وطنهم.
– الوطن لا يُقاس بالأعداد
إن الدعوة إلى مراجعة هذا المصطلح تفتح باباً مهماً لمراجعة ثقافية واجتماعية نحتاجها جميعاً، في الأردن وفي العالم العربي.
فالأوطان لا تُبنى بتصنيف مواطنيها، ولا تُقاس متانة مجتمعاتها بأعداد مكوناتها، وإنما بقدرتها على حماية التنوع، وترسيخ العدالة، وصيانة المساواة في الحقوق والواجبات.
لا نحتاج إلى أكثرية تتفاخر بعددها، ولا إلى أقلية تشعر بأنها مطالبة بإثبات حضورها. نحتاج إلى مجتمع يدرك أن الوطن لا يتسع لفئة دون أخرى، وأن التاريخ لا يُكتب باسم جماعة واحدة، وأن المستقبل لا يُبنى إلا بشراكة الجميع.
فالأردنيون ليسوا أكثرية وأقليات حين يتعلق الأمر بالوطن؛ إنهم مواطنون متساوون، يجمعهم وطن واحد، وتاريخ مشترك، ومستقبل لا ينبغي أن يُجزّأ.
ولعل أول خطوة نحو ترسيخ هذه الثقافة أن نراجع كلماتنا قبل أن نراجع مواقفنا، وأن ندرك أن بعض المصطلحات، مهما بدت مألوفة، قد تحتاج إلى مغادرة قاموسنا الاجتماعي، حتى تبقى المواطنة هي اللغة التي نتحدث بها جميعاً.