تأبط وطنا
إن الحادثة المؤسفة التي شهدتها إحدى الكنائس في الكرك تستوجب الإدانة والاستنكار، فالمساس بدور العبادة أو تهديد أمن المواطنين أمر مرفوض، ويتنافى مع قيم الأردن القائمة على التسامح والتآخي والوحدة الوطنية.
وإذ نؤكد ثقتنا بأجهزتنا الأمنية ومؤسساتنا الوطنية، فإن مثل هذه الحوادث تذكّرنا بأهمية أن تتصدر أولوية استباق الخطر ومنع الجريمة سلّم اهتمامات الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام الرسمية، وأن تُوجَّه الجهود والموارد نحو جمع المعلومات وتحليلها، ورصد مؤشرات الخطر، وتعزيز الوعي المجتمعي، بعيدًا عن استنزاف الوقت والاهتمام في قضايا ثانوية لا تتقدم على أمن الوطن وسلامة أبنائه. فحماية الأردن تبدأ باليقظة، وتكامل الأدوار، والاستعداد للمخاطر قبل وقوعها.
إن ما شهدته إحدى الكنائس في الأردن من أحداث مؤسفة أفضت إلى الترويع وسفك الدماء، يؤكد أن الجريمة والتطرف لا يعرفان حدودًا جغرافية، وإن تفاوتت مظاهرهما من مجتمع إلى آخر، تبعًا لطبيعة المجتمعات وثقافاتها وقيمها، وسياسات مؤسساتها ومدى قدرتها على استشراف الأخطار والتعامل معها.
وأؤكد، منذ البداية، أن إدانة هذه الجرائم لا تقبل المساومة، بصرف النظر عن دين الضحايا أو جنسيتهم أو معتقدهم. فما أود تناوله ليس تبرير الجريمة، وإنما التساؤل عما إذا كان بالإمكان استباقها والحيلولة دون وقوعها.
فالأردن، وطننا الآمن الذي ظل صامدًا في محيط إقليمي مثقل بالأزمات والصراعات، يستحق من جميع مؤسساته كل حسب اختصاصة أعلى درجات اليقظة والاستعداد، حفاظًا على أمنه واستقراره ووحدة أبنائه.
وهنا يبرز سؤال قد يتحاشى البعض طرحه خشية المساءلة أو إساءة الفهم، مع أنني أرى أن السؤال المسؤول ليس انتقاصًا من المؤسسات، بل ضرورة من ضرورات الإصلاح والتطوير.
أين دور الأجهزة الأمنية في جمع المعلومات وتحليلها ورصد مؤشرات الخطر، والتحرك في الوقت المناسب لمنع الجرائم قبل وقوعها؟
لقد تعلمنا أن النجاح في أي عمل يرتبط بحسن ترتيب الأولويات، وتوجيه الجهود نحو القضايا الأكثر أهمية وخطورة. ومن هذا المنطلق، فإن مواجهة التطرف والتحريض على العنف، ورصد المؤشرات الجدية التي قد تنذر بارتكاب الجرائم، ينبغي أن تكون في صدارة الأولويات الأمنية، دون الانشغال بما تستطيع جهات أخرى مختصة القيام به.
فالأمن الحقيقي لا يُقاس بسرعة الاستجابة بعد وقوع الجريمة فحسب، بل كذلك بالقدرة على استباقها ومنعها. والوقاية، مهما تطلبت من جهد ويقظة، تبقى أقل كلفة من أن تُزهق الأرواح ثم نبحث عن أسباب ما حدث.
أما الإعلام الرسمي، الذي تنفق الدولة على مؤسساته ملايين الدنانير، فأين دوره في توعية المجتمع بمخاطر التطرف والكراهية، وتحصين عقول أبنائه من الأفكار التي تستهدف أمن الوطن ووحدة مواطنيه؟
إن مسؤولية الإعلام لا ينبغي أن تقتصر على نقل الأحداث والتعليق عليها بعد وقوعها، بل يجب أن تمتد إلى بناء الوعي، وكشف خطورة الخطاب التحريضي، وترسيخ ثقافة التسامح والمواطنة، وتوعية المواطنين بضرورة الإبلاغ عن التهديدات الجدية عبر القنوات الرسمية.
وفي هذا السياق، فإن تعزيز الدور الإعلامي في استباق المخاطر لا يقتصر على تطوير أداء وسائل الإعلام الرسمية فحسب، بل يتطلب أيضًا من الجهات صاحبة القرار إفساح المجال أمام منابر إعلامية خاصة ومستقلة لتأخذ مكانها في الساحة الأردنية، وتؤدي دورها الوطني بحرية ومسؤولية، بعيدًا عن العراقيل التعجيزية أو الأحكام المسبقة والتشكيك في أهدافها. فالإعلام الوطني، رسميًا كان أم خاصًا ومستقلًا، تتكامل أدواره حين يكون هدفه خدمة الأردن وحماية أمنه وتعزيز وعي مواطنيه. وإن تعدد المنابر الجادة والمسؤولة ليس عبئًا على الدولة، بل رصيد وطني يوسّع دائرة الحوار، ويعزز الثقة، ويسهم في كشف مواطن الخلل والتنبيه إلى المخاطر قبل تفاقمها. فالأوطان لا يحميها الصوت الواحد، بل تتضافر في حمايتها مؤسسات قوية وإعلام مهني مسؤول ومساحة منفتحة للنقد البنّاء.
إن الأفكار الظلامية لا تهدد حياة الأفراد فحسب، بل تستهدف أيضًا النسيج الاجتماعي، وتسعى إلى زرع الفرقة بين أبناء الوطن الواحد على أسس دينية أو مناطقية. والأردن، الذي اعتاد أبناؤه المسلمون والمسيحيون أن يعيشوا في ظلال الوئام والتآخي، ليس بمنأى عن محاولات العبث بهذا الإرث الوطني الثمين.
ان من واجب المؤسسات المعنية التصدي لهذه المحاولات بحزم، في إطار القانون، دون تعميم الاتهامات أو تحميل جماعة بأكملها مسؤولية أفعال أفراد لا يمثلونها.
إن الغاية من هذا المقال ليست توجيه الاتهامات أو إصدار الأحكام قبل استكمال الحقائق، وإنما الدعوة إلى مراجعة جادة للأولويات، وتعزيز العمل الوقائي، وتكامل الأدوار الأمنية والإعلامية، حتى لا نفاجأ بما كان من الممكن استشرافه، ولا نكتفي بملاحقة النتائج بينما تبقى أسباب الخطر قائمة.
وأنا على ثقة بأن أجهزتنا الأمنية ممثلة بقادتها ومنتسبيها تدرك جسامة مسؤولياتها، وأن حماية الوطن تقتضي التركيز على كل ما يهدد أمنه وسلامة مواطنيه، ومراجعة ما قد يصرف الجهد عن هذه الأولويات.
فالأوطان لا تُصان بالصمت عن مواطن الخلل، ولا بانتظار وقوع الفواجع؛ وإنما باليقظة والمصارحة وحسن ترتيب الأولويات، والقدرة على استباق الخطر قبل أن يتحول إلى مأساة.
حفظ الله الأردن آمنًا مستقرًا، وحمى أبناءه جميعًا، وأدام بينهم المحبة والوئام، وأفشل كل محاولة تستهدف أمنه أو تمزيق نسيجه الوطني.
فالأردن يستحق منا أن نسأل اليوم عما يمكن فعله لمنع جريمة الغد، بدلًا من أن نكتفي غدًا بالسؤال عما كان ينبغي فعله بالأمس.