لندن: محمد الطّورة
من لندن، وبينما أتابع كما تابع ملايين غيري العمل الغنائي الأخير لأحد الفنانين المعروفين، وجدت نفسي أمام تجربة أثارت لديّ شعورًا بالاستياء أكثر من الإعجاب. لم يكن الأمر متعلقًا بجودة اللحن أو الكلمات بقدر ما كان مرتبطًا بالاختيار اللافت لاستخدام لهجة محلية دارجة تعود لبعض أهالي جنوب الأردن، في سياق بدا—على الأقل من وجهة نظري—غير مبرر فنيًا.
لست هنا بصدد تقييم العمل من الناحية الفنية البحتة، فذلك مجال واسع يحتمل اختلاف الآراء، لكن ما لفت انتباهي هو هذا التوظيف غير الواضح للهجة، والذي بدا أقرب إلى محاولة لشد الانتباه منه إلى إضافة حقيقية للنص أو الهوية الفنية. مثل هذه الخيارات، حين تصدر عن فنان له حضوره وتاريخه، تضع المتلقي أمام تساؤل مشروع: هل نحن أمام اجتهاد فني مدروس، أم مجرد سعي وراء الانتشار بأي وسيلة؟
ورغم أن الأغنية حققت نسب متابعة مرتفعة، إلا أن الأرقام وحدها لا تكفي لتكون دليلًا على الرضا أو الاستحسان. فكثيرًا ما تدفع الغرابة أو الجدل الجمهور إلى المشاهدة بدافع الفضول، لا الإعجاب. وإذا كان الهدف هو تحقيق الانتشار بأي وسيلة، فيمكن القول إن هذا الهدف قد تحقق، لكن يبقى السؤال الأهم: ماذا عن القيمة؟ وماذا عن الأثر؟
إن استخدام اللهجات المحلية يحمل في طياته قيمة ثقافية وهوية إنسانية تستحق التقديم باحترام ووعي، لا أن تُستدعى بشكل عابر قد يفتح باب التأويل أو حتى التندر. ومن هذا المنطلق، بدا لي هذا الاختيار أقرب إلى سقطة فنية لا تعبّر عن الصورة التي يتمنى جمهور هذا الفنان أن يراه عليها، خاصة أولئك الذين اعتادوا منه أعمالًا أكثر اتزانًا ووضوحًا في رسالتها.
ففي زمن تتسارع فيه الأضواء وتُقاس فيه القيمة بعدد المتابعين، لم يعد السعي نحو الشهرة مجرد طموح مشروع، بل تحوّل عند البعض إلى اندفاع غير محسوب قد يكلّفهم أغلى ما يملكون: تاريخهم وسمعتهم. فالشخص الذي قضى سنوات في بناء اسمه واحترامه، قد يجد نفسه يهدم كل ذلك في لحظة، فقط من أجل لفت الانتباه أو تحقيق انتشار سريع.
المشكلة لا تكمن في الشهرة بحد ذاتها، بل في الوسائل التي تُستخدم للوصول إليها. حين يختار الإنسان أن ينجرف وراء ما هو صادم أو مثير للجدل، متخليًا عن ثوابته، فإنه يضع سمعته على المحك. والأسوأ أن الجمهور، الذي قد يمنح الشهرة بسرعة، قادر أيضًا على سحبها بسرعة أكبر، تاركًا خلفه أثرًا يصعب إصلاحه.
إن التاريخ الشخصي لأي إنسان هو حصيلة مواقفه واختياراته، وليس مجرد سجل يمكن إعادة كتابته بسهولة. وعندما يُغامر الفرد بهذا التاريخ من أجل مكسب مؤقت، فإنه في الحقيقة يراهن على شيء هش، أشبه بفقاعة مؤقتة لا تلبث أن تنفجر، لتكشف ما وراءها من فراغ أو تناقض.
ولعلنا نشاهد بين الحين والآخر نماذج لأشخاص كانوا يتمتعون بمكانة واحترام، لكنهم اختاروا الانسياق خلف موجات الانتشار السريع، فقدموا أنفسهم بصورة لا تشبههم، أو خاضوا تجارب لم تضف لهم بقدر ما أضعفت صورتهم أمام جمهورهم. وفي بعض الحالات، كان التغيير مفاجئًا لدرجة أنه أثار استغراب المتابعين، بل وتحول إلى مادة للتعليق والسخرية.
هذا النوع من التحولات لا يمر دون ثمن. فالسمعة، بخلاف الشهرة، لا تُبنى في يوم واحد، ولا تُستعاد بسهولة إذا ما تضررت. وقد يجد الإنسان نفسه بعد حين محاطًا بالندم، حين يدرك أن ما كسبه من ضوء مؤقت لا يعادل ما خسره من احترام وثقة.
في المقابل، هناك من يدرك أن الحفاظ على التاريخ الشخصي والسمعة أهم من أي مكسب سريع، فيختار طريقًا أكثر هدوءًا وثباتًا، مبنيًا على المصداقية والعمل الحقيقي. هؤلاء قد لا يحققون انتشارًا صاخبًا، لكنهم يتركون أثرًا أعمق وأكثر دوامًا.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: أيهما أولى بالحفاظ—وهج الشهرة العابر، أم تاريخ يُبنى بصبر وسمعة تُصان بوعي؟ الإجابة قد تحدد ليس فقط صورة الإنسان أمام الآخرين، بل صورته أمام نفسه أيضًا.

