كتب: تأبط وطنا
حين يصبح استعراض النعمة جرحاً لمشاعر المحتاجين
لسنا ضد الفرح، ولا ضد الاحتفال، ولا ضد أن ينعم الإنسان بما رزقه الله من خير ومال ومكانة اجتماعية. ولسنا دعاةً إلى إخفاء النعم أو مصادرة حرية الناس في حياتهم الخاصة، ولكننا بحاجة إلى وقفة ضمير، ومراجعة صادقة لبعض السلوكيات التي باتت تتكرر على صفحات التواصل الاجتماعي، وكأن مشاعر الآخرين أمر لا يستحق الالتفات إليه.
أرحموا مشاعر الآخرين، فليس كل ما نستطيع فعله ينبغي أن نفعله، وليس كل ما نملكه يستوجب استعراضه أمام الناس.
لقد أصبحنا نشاهد، بين الحين والآخر، صور الولائم الفاخرة التي تُقام في المناسبات والاحتفالات، وما يرافقها من موائد عامرة بأصناف الطعام والشراب، إلى جانب صور الأزياء الباهظة والمظاهر المترفة التي يحرص البعض على نشرها والتباهي بها. ويزداد وقع هذه المشاهد حين تصدر عن أصحاب الثروات الكبيرة، أو شاغلي المناصب العليا، أو أصحاب المواقع الوظيفية والاجتماعية المرموقة، من الرجال والنساء على حد سواء.
والسؤال هنا ليس: لماذا تحتفلون؟ ولا: لماذا ترتدون ما يعجبكم؟ ولا: لماذا تنفقون من أموالكم على ما تحبون؟ فذلك شأنكم ما دمتم لا تعتدون على حقوق الآخرين. وإنما السؤال الأهم هو: لماذا الإصرار على تحويل كل مناسبة خاصة إلى مشهد استعراضي يُعرض أمام الجميع، دون مراعاة لأحوال الناس وظروفهم المعيشية؟
تأملوا قليلاً أحوال من يشاهدون تلك الصور؛ فهناك من يعجز عن توفير وجبة كريمة لأسرته، وهناك من أثقلته الديون، وهناك من ينتظر راتباً تأخر وصوله، وهناك من يقف عاجزاً أمام متطلبات أطفاله، وهناك من يعيش ظروفاً صحية أو اجتماعية قاسية لا يعلم بها إلا الله. فكيف يكون وقع صورة مائدة مترفة على إنسان يتساءل كل يوم من أين يأتي بقوت أسرته؟ وكيف يشعر أبٌ لا يستطيع شراء ملابس جديدة لأطفاله حين يرى استعراضاً متواصلاً للأزياء والمظاهر الفاخرة؟
نحن لا نقول إن نشر هذه الصور هو السبب الوحيد في معاناة الفقراء، ولا إن كل من ينشرها يقصد استفزاز المحتاجين أو الانتقاص منهم، ولكننا نقول إن مراعاة مشاعر الناس خُلُق، والتواضع مسؤولية أخلاقية، والإحساس بمعاناة الآخرين دليل على نضج الإنسان الحقيقي، مهما علت مكانته أو تضخمت ثروته.
والمؤسف أن هذه المظاهر لا تجرح مشاعر بعض الناس فحسب، بل قد تفتح أيضاً أبواباً للتعليقات الجارحة، والإساءة الشخصية، والتشهير، والتحريض، والتجاوز على أصحاب الصور وأسرهم. وهكذا تتحول مناسبة يفترض أن تكون مصدراً للفرح إلى ساحة للخصومات والاتهامات وسوء الظن، وربما إلى وسيلة لإشعال مشاعر الحقد والكراهية بين أفراد المجتمع.
ومن هنا، فإن دعوتنا موجهة أولاً وبشكل خاص إلى أصحاب المال والمناصب والمواقع العليا، من الرجال والنساء، بأن يجعلوا من التواضع عنواناً لمكانتهم، ومن مراعاة ظروف الناس معياراً لسلوكهم، وأن يدركوا أن قيمة الإنسان لا تُقاس بفخامة مائدته، ولا بثمن ملابسه، ولا بعدد الإعجابات التي تحصدها صوره، وإنما بما يقدمه لمجتمعه من خير، وما يتحلى به من إنسانية واحترام للآخرين.
كما أن من المهم أن نفتح نقاشاً مجتمعياً جاداً حول مسؤولية النشر على منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما حين يتعلق الأمر بمظاهر الترف المبالغ فيها، أو المحتوى الذي قد يتحول إلى وسيلة للتفاخر والاستفزاز. ويمكن للمؤسسات الرسمية والمجتمعية أن تؤدي دوراً في نشر ثقافة المسؤولية الرقمية، وتشجيع الشخصيات العامة وأصحاب المناصب على تبني خطاب أكثر تواضعاً ومراعاةً للمصلحة الاجتماعية.
أما المطالبة بسن قوانين تمنع جميع المواطنين من نشر صور ولائمهم أو أزيائهم، فهي مسألة تحتاج إلى دراسة قانونية متأنية؛ لأن معالجة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تتحول إلى تقييد شامل لحرية التعبير والحياة الخاصة. والأجدى هو مكافحة الأفعال الضارة المحددة، كالتشهير والتهديد والتحريض على العنف وانتهاك الخصوصية، وفق قوانين واضحة وعادلة، مع تشجيع السلوك المسؤول دون تجريم مظاهر الاحتفال أو اللباس في حد ذاتها.
وفي المقابل، لا بد أن يتحلى متابعو هذه الصور بالمسؤولية أيضاً؛ فمن حق الإنسان أن ينتقد السلوك العام، لكن ليس من حقه أن يهين الآخرين أو يشهر بهم أو يهددهم أو يحرض عليهم. فالمجتمع الذي نطمح إليه هو مجتمع يحترم فيه الغني مشاعر الفقير، ويحترم فيه الفقير كرامة الغني، وتُصان فيه حرية الجميع ضمن حدود الاحترام والقانون.
إن رسالتنا ليست دعوة إلى إخفاء النعم، بل إلى شكرها. وليست دعوة إلى منع الفرح، بل إلى أن يكون الفرح أكثر إنسانية. وليست حرباً على الأغنياء وأصحاب المناصب، بل دعوة إلى أن تكون المكانة العالية مصحوبة بوعي أكبر بمشاعر الناس وأوجاعهم.
فيا أصحاب الولائم العامرة، ويا من تتزينون بأفخر الأزياء، ويا من تتيح لكم مواقعكم وإمكاناتكم أن تعيشوا حياة ميسورة: افرحوا بما أنعم الله عليكم، واحتفلوا بما يسعدكم، ولكن تذكروا أن هناك عيوناً تراقب بصمت، وقلوباً تتألم دون أن تتكلم، وأناساً أنهكهم العوز ولا تنقصهم مشاهد تذكّرهم بما يفتقدون.
ليس كل ما يُعاش يجب أن يُنشر، وليس كل ما يُنشر يبعث على الفرح، وليس كل صمت عن الإساءة رضا بها.
أرحموا مشاعر الآخرين، فالكلمة الطيبة صدقة، والتواضع رفعة، ومراعاة أحوال الناس من شيم الكرام. وقد تكون أعظم مظاهر الثراء أن تمتلك الكثير، ومع ذلك لا تجعل أحداً يشعر بأنه أقل منك.