تقرير سياسي
ألم يحذّر جلالة الملك عبدالله الثاني من «الهلال الشيعي»؟ حين تتحول نبوءة الأمس إلى جرح عربي مفتوح
في عام 2004، حذّر الملك عبدالله الثاني من تشكّل ما عُرف بـ«الهلال الشيعي»، محذّراً من اتساع النفوذ الإيراني عبر المنطقة، وما قد يحمله ذلك من اختلال في موازين القوة وتهديد لأمن الدول العربية. يومها، بدا التحذير للبعض مبكراً، ولآخرين مبالغاً فيه؛ لكن أحداث المنطقة أعادت طرح السؤال الذي لم يفقد راهنيته: ماذا يحدث حين تتجاوز طموحات دولة حدودها، وتصبح أذرعها الإقليمية أدوات ضغط على أمن جيرانها وسيادتهم؟
ما شهدته السعودية أمس، العاشر من أكتوبر، من هجوم على مطار الملك خالد الدولي في الرياض، يضع هذا السؤال أمام اختبار مؤلم. فقد أعلنت السلطات الأردنية اليوم وفاة مواطن أردني وإصابة أربعة أردنيين في الهجوم، الذي أوقع قتلى وجرحى من جنسيات متعددة. ونُسب الهجوم إلى الحوثيين المدعومين من إيران، وفق التقارير المنشورة.
هنا لا يعود الأمر مجرد صراع نفوذ بين عواصم، ولا خلافاً سياسياً يمكن احتواؤه بالتصريحات؛ بل يصبح تهديداً يمس حياة المدنيين، وأمن المطارات، وسيادة الدول، وحق الشعوب في العيش بعيداً عن نيران الصراعات الإقليمية.
إن أخطر ما في النفوذ الإيراني ليس امتداده الجغرافي وحده، بل قدرته على نقل الصراع إلى أراضي الآخرين، وترك المدنيين يدفعون ثمن حسابات لم يختاروها. وحين تتحول الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران إلى مصدر تهديد لدول الخليج، فإن القضية تتجاوز الخلافات السياسية إلى جوهر الأمن القومي العربي.
والأردن، الذي فقد أحد مواطنيه في هذا الهجوم، ليس بعيداً عن هذه المعادلة. فأمن المملكة والخليج مترابط، وأي اعتداء يهدد استقرار دولة عربية ينعكس على محيطها، ويؤكد أن مواجهة المخاطر العابرة للحدود لم تعد خياراً سياسياً، بل ضرورة لحماية السيادة والأرواح.
لكن المواجهة الحقيقية لا تكون بتأجيج الطائفية أو تحميل الشعوب مسؤولية سياسات الحكومات، بل برفض التدخلات الخارجية، وتعزيز التضامن العربي، ومطالبة طهران بتحمل مسؤولية علاقاتها بالقوى التي تدعمها، ومنع استخدام الأراضي والمنشآت المدنية ساحات لتصفية الحسابات.
لقد كان تحذير عام 2004 سؤالاً عن مستقبل التوازن الإقليمي، أما اليوم فقد أصبح السؤال أكثر إلحاحاً: كم من الدماء ينبغي أن تُراق حتى تدرك المنطقة أن سيادة الدول ليست ورقة تفاوض، وأن أمن العرب لا يجوز أن يبقى رهينة صراعات الآخرين؟