17
لندن: محمد الطّورة
متى يدرك محرّضو الكراهية بين الأخوة والدول فداحة ما يصنعون؟
أكتب هذا المقال بوضوح ودون مواربة، لأنني رجل آمنت بالصراحة نهجًا لا خيارًا، وتعلّمت قول كلمة الحق من مدرسة واضحة المعالم، في مقدمتها ما دعا إليه جلالة الملك عبدالله الثاني حين حثّ الأردنيين مرارًا على قول الحقيقة وعدم الخوف منها، وجعل الصراحة أساسًا في خدمة الوطن وحماية مصالحه العليا.
كما أن تربيتي الأسرية كان لها الدور الأكبر في ترسيخ هذا النهج؛ فقد نشأت في بيت تعلمت فيه أن الإشارة إلى مواطن الخلل ليست إساءة، بل واجب، وأن الصمت عن الخطأ تواطؤ، وأن الحفاظ على مصلحة الدولة العليا يقتضي الوضوح لا التلوّن، والثبات على المبدأ لا تبديل المواقف.
وقد عكست مسيرتي العملية في القطاع العام، ولا سيما في السفارات الأردنية في الخارج، هذا النهج بوضوح، حيث كانت الصراحة والثبات على المبدأ جزءًا من أسلوبي في العمل، يشهد عليه من تعامل معي عن قرب، لا ادّعاءً ولا تفاخرًا، بل التزامًا بما تمليه المسؤولية واحترامًا لمصلحة الدولة.
واليوم، لم يعد الناس كما يظن البعض غافلين أو سُذّجًا؛ فوسائل التواصل الاجتماعي والإعلام باتت تكشف الحقائق، وتعرّي الخطابات المزيّفة، وتفضح النفاق مهما طال أمده. بل إن من يُصفَّق لهم أحيانًا يدركون قبل غيرهم أن من ينافقهم لا يحترمهم، وأن التلوّن يسقط صاحبه في أعين الجميع، عاجلًا أم آجلًا.
متى سيدرك بعض رجال السياسة والصحافة والإعلام، ممن يتقنون نفخ نار الحقد بين الناس، أن الخلافات — مهما اشتدّت — قد تنتهي في أي لحظة؟ وأن الخصومات، حتى تلك التي تبدو مستحكمة، قد تُطوى فجأة، خصوصًا حين تكون بين إخوة الدم أو أبناء العائلة الواحدة؟
عندها، سيجد أولئك المحرّضون أنفسهم في موقف لا يُحسدون عليه، عراة من المواقف، مكشوفين أمام ضمائرهم — إن بقي للضمير مكان.
إن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس الخلاف بحد ذاته، بل أولئك الذين يتغذّون عليه، ويركبون موجته دون قناعة، ويجعلون منه سلّمًا لمصالحهم الضيقة. يستلون أقلامهم لا طلبًا للحقيقة، بل بحثًا عن تصفيق عابر، ويعتلون المنابر لا دفاعًا عن مبدأ، بل شماتةً وتحريضًا، يسبّون هذا ويخوّنون ذاك، ويصبّون الزيت على نار يعلمون جيدًا أنهم لن يكتووا بلهيبها.
ولا يقتصر خطر هؤلاء على تمزيق المجتمع الواحد، بل يمتد إلى التحريض بين الدول، حيث تُدار الخصومات الإقليمية والدولية بعقلية الفتنة نفسها: خطاب مسعور، شيطنة متبادلة، وتخوين ممنهج يُسوَّق للناس على أنه دفاع عن الكرامة أو السيادة. والأمثلة على ذلك أكثر من أن تُحصى، إذ تتحوّل السياسة والإعلام إلى مصانع للكراهية، تُستَخدم فيها الشعوب وقودًا للصراعات، وتُدفع إلى العداء الأعمى، بينما تدفع شعوب تلك الدول الثمن كاملًا من دمها وأمنها واستقرارها ومستقبل أجيالها، في حين يراقب المحرّضون المشهد من مقاعد آمنة، بلا مسؤولية ولا محاسبة.
هؤلاء لا يقفون مع الحق، بل مع القوي؛ مع صاحب النفوذ،ومركز القرار. تتبدل مواقفهم بتبدّل موازين القوة، وتُعاد صياغة خطاباتهم بحسب اتجاه الريح. لا وفاء لديهم إلا للمصلحة، ولا ثبات إلا على الانتهازية.
لكن التاريخ — القريب قبل البعيد — علّمنا أن الخصومات تزول، وأن المصالح تتغيّر، وأن من حرّض بالأمس قد يُقصى اليوم، وأن الكلمات التي أُطلقت بتهوّر قد تعود كالسكاكين إلى صدور أصحابها. فكيف لمن أشعل العداوة بين الإخوة أن يبرّر نفسه حين يتصافحون؟ وكيف لمن ملأ الشاشات شتمًا وتحريضًا أن يستعيد احترامه بعد أن تنكشف نواياه؟
إن الكلمة مسؤولية، والقلم أمانة، والمنبر ليس ساحة لتصفية الحسابات. ومن يستخف بعقول الناس، ويعبث بالنسيج الاجتماعي، ويحوّل الخلاف السياسي إلى كراهية اجتماعية، إنما يزرع ألغامًا في طريق الجميع — بما فيهم نفسه.
فليتذكر أولئك أن الصمت الحكيم، حين يتعذّر العدل، أشرف من خطاب ملوّث بالحقد. وأن الانحياز للحق، لا للقوة، هو ما يصنع المواقف، لا عدد المتابعين ولا القرب من أصحاب السلطان.
ليدرك محرّضو الكراهية أن الخصومات قد تنتهي، وأن المصالح قد تتبدّل، لكن أثر الكلمة يبقى، إمّا شاهد بناء أو أداة هدم. فالكلمة التي تُقال بصدق يمكن أن تكون جسرًا، وتلك التي تُقال بحقد لا تكون إلا معولًا يضرب في أساس المجتمع.
إن المسؤولية الحقيقية تفرض أن نكون جميعاً معاول بناء لا معاول هدم، وأن نختلف دون أن نحرّض، وأن ننتقد دون أن نزرع الكراهية، وأن نقول كلمة الحق دفاعًا عن الدولة ومصالحها العليا، لا خدمة لأشخاص أو اصطفافًا مع قوة عابرة.
فالخلاف لا يدمّر الأوطان، لكن التحريض يفعل.
والنقد الصادق يحمي المجتمعات، أما الفتنة فتهدمها من الداخل.
ومن اختار الكلمة طريقًا، فليتحمّل شرفها ومسؤوليتها.

