لندن: محمد الطّورة
الوفاء للشهداء لا يتقاعد.. العميد إبراهيم الخشمان نموذجاً لأصالة الانتماء
يغمرني الفخر والاعتزاز كلما سمعت عن إنجاز يحققه أحد أبناء مدينتي الحبيبة الشوبك، أو موقف وطني مشرّف يسجله أحد رجالاتها؛ فالشوبك التي أنجبت رجالاً تقلدوا مواقع متقدمة في قيادة مؤسساتنا العسكرية والأمنية، وشغلوا مواقع وزارية وتشريعية، من أعيان ونواب، ظلت وفية لأردنها وقيادته الهاشمية، ومصدراً للرجال الذين حملوا المسؤولية وأدوا الأمانة.
وما يزيدني اعتزازاً أن كثيراً من أبناء الشوبك ممن خدموا في مؤسسات الدولة، ولا سيما العسكرية والأمنية، ظلوا أوفياء لوطنهم ومؤسساتهم بعد انتهاء خدمتهم، محافظين على أسرار مواقعهم وخصوصية مسؤولياتهم، ومدركين أن شرف الخدمة لا ينتهي بمغادرة الوظيفة، وأن الانتماء الحقيقي لا يرتبط بمنصب أو امتياز.
ومن بين المواقف التي تستحق التقدير والوقوف عندها، المبادرة الوطنية التي طرحها العميد المتقاعد إبراهيم الخشمان، ابن الشوبك الأصيل، والمتمثلة في إنشاء «صندوق الوفاء الوطني» لدعم أسر الشهداء وتكريم أبطال القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وهي مبادرة تتجاوز حدود الفكرة إلى رسالة وطنية وإنسانية تستحق أن تجد طريقها إلى التنفيذ.
لقد جاءت مبادرة الخشمان منسجمة مع سيرة رجل أمضى سنوات من عمره في خدمة وطنه ومؤسساته الأمنية بإخلاص، ولم يزده التقاعد إلا حباً للأردن ووفاءً لقيادته الهاشمية واعتزازاً بالمؤسسة التي خدم فيها. وكأن موقفه الشامخ يستمد معناه من شموخ جبال الشوبك وصمود قلعتا ، ومن شماخ، مسقط رأسه، تلك البلدة التي عُرفت بأصالة أهلها وصدق انتمائهم واعتزازهم بوطنهم.
إن فكرة الصندوق، كما طرحها صاحبها، تقوم على استنهاض روح التكافل الوطني، وإتاحة الفرصة أمام المواطنين ورجال الأعمال والشركات والمؤسسات الاقتصادية للمشاركة في دعم أسر الشهداء، وتقديم ما يليق بتضحيات الأبطال والمصابين أثناء أداء واجبهم. وهي مبادرة مجتمعية لا تحل محل مسؤوليات الدولة أو حقوق المستحقين، بل تعززها وتضيف إليها بعداً شعبياً وإنسانياً.
ولكي تتحول هذه الفكرة إلى مشروع وطني مستدام، فإنها تحتاج إلى مظلة قانونية واضحة، وإدارة موثوقة، ورقابة مالية وإدارية شفافة، تضمن وصول المساهمات إلى مستحقيها بعدالة وكرامة، وتعزز ثقة المتبرعين والمجتمع بها.
إن الشهداء الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عن الأردن يستحقون منا أكثر من كلمات التأبين ومراسم التكريم على أهميتها، وأسرهم تستحق أن تشعر بأن المجتمع الذي ضحى أبناؤها من أجله يقف إلى جانبها، وأن تضحيات أحبائها ستبقى حاضرة في وجدان الأردنيين ومواقفهم.
وهنا لا بد من التأكيد أن الوفاء للمؤسسات الوطنية لا يتعارض مع النقد المسؤول أو المطالبة بالإصلاح، لكنه يختلف تماماً عن الإساءة إليها أو التنكر لتاريخ الخدمة فيها. فالمؤسسات أكبر من الأشخاص، والوطن أكبر من المناصب، والانتماء ليس امتيازاً وظيفياً ينتهي بانتهاء الخدمة.
إن الشوبك التي قدمت للوطن قادة ورجالات في مواقع عسكرية وأمنية ووزارية وتشريعية، هي ذاتها التي ينحدر منها العميد إبراهيم الخشمان، صاحب هذه المبادرة الوطنية النبيلة. وهي صورة أخرى من صور عطاء أبنائها، الذين لا تنتهي علاقتهم بالوطن عند حدود الوظيفة، بل يستمر عطاؤهم من مواقعهم المختلفة، كلٌّ بما يستطيع.
كل التقدير للعميد المتقاعد إبراهيم الخشمان على هذه المبادرة التي تستحق أن تتبناها الجهات المعنية، وأن تجد صدى لدى رجال الأعمال والقطاع الخاص والمجتمع الأردني بأسره.
فالشهداء لا يحتاجون منا إلى وعود عابرة، بل إلى وفاء دائم، وأسرهم لا تنتظر كلمات الإشادة بقدر ما تستحق مواقف تترجمها إلى واقع. فالوظيفة قد تنتهي، والرتبة قد تصبح جزءاً من الذاكرة، لكن حب الوطن والوفاء لشهدائه ومؤسساته عهد لا ينبغي أن يتقاعد.