لندن: محمد الطّورة
والله عيب!
هناك ثقافة بدأت تطل برأسها في مجتمعنا الأردني، وتكاد تتحول مع كل حدث أو تطور تشهده البلاد إلى مشهد متكرر، ينشغل به قطاع من الأردنيين، وتجد فيه بعض وسائل الإعلام، من مواقع إخبارية وصحف ومنصات تواصل اجتماعي، مادة دسمة للتداول والتحليل والتأويل.
ثقافة تقوم على توزيع الاتهامات قبل معرفة الحقائق، وتبرئة هذا وإدانة ذاك، وترشيح مسؤول للمغادرة، واستثناء آخر من التغيير، وكأننا أمام مباراة لا بد أن يكون لها فائز وخاسر، ومتهم وبريء، ورجل ينبغي أن يبقى وآخر يجب أن يرحل!
والمشكلة ليست في حق الناس في السؤال أو التحليل أو إبداء الرأي، فهذا حق لا ينازع فيه أحد، بل في أن يتحول التكهن إلى معلومة، والظن إلى حقيقة، والرأي إلى حكم قاطع، فتختلط الوقائع بالرغبات، وتضيع الحقيقة وسط ضجيج لا طائل منه.
والأكثر إرباكاً أن بعض هذه القراءات لا تكتفي باستباق الأحداث، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، فتوزع الأدوار وتحدد المسؤوليات، وتنسج روايات عن أسباب التغيير ودوافعه، قبل أن يصدر قرار أو تتضح صورة أو تظهر معلومة موثوقة.
ولعل الأحاديث التي تتناول بين الحين والآخر احتمالات التغيير في قيادات الأجهزة الأمنية الأردنية تمثل نموذجاً لهذه الظاهرة التي تستحق التوقف عندها، لا دفاعاً عن مسؤول بعينه، ولا مجاملة لأصحاب المواقع، وإنما دفاعاً عن الإنصاف في قراءة المشهد، وعن حق الحقيقة في ألا تكون ضحية للتكهنات.
فنحن نتحدث عن مؤسسات أمنية لها طبيعتها الخاصة، ومسؤولياتها الدقيقة، وأدوارها التي تتصل مباشرة بأمن الدولة واستقرارها. ويتولى قيادتها رجال أمضوا سنوات في مواقع مختلفة من العمل العام والأمني، ومن الطبيعي أن تخضع مواقعهم، شأنها شأن غيرها من المواقع القيادية، لمقتضيات التغيير والتجديد ومتطلبات كل مرحلة.
لكن ما ليس طبيعياً أن يتحول الحديث عن احتمال إعفاء هذا المدير أو نقل ذاك إلى محاكمة مسبقة لأدائه، أو أن يُفسَّر أي تغيير محتمل باعتباره دليلاً على التقصير أو الإخفاق.
ومنذ متى كانت نهاية الخدمة حكماً بالفشل؟ ومن قال إن مغادرة الموقع تعني بالضرورة أن صاحبه لم يكن على قدر المسؤولية؟
إن المواقع القيادية في الدولة ليست ملكيات شخصية، ولا عقوداً مفتوحة بلا نهاية، كما أن استمرار المسؤول في موقعه لا يمنحه شهادة نجاح مطلقة، ومغادرته لا تعني إدانته. فالتغيير قد تفرضه اعتبارات تتعلق بطبيعة المرحلة، أو متطلبات العمل، أو رؤية القيادة في إدارة مؤسسات الدولة، دون أن يكون بالضرورة عقوبة أو نتيجة إخفاق.
غير أن ما يستوقف المتابع في بعض ما يُتداول، هو الذهاب إلى تفسير العلاقات بين القيادات الأمنية بمنطق المناكفات الشخصية وتصفية الحسابات، وصولاً إلى افتراض أن مسؤولاً يسعى إلى إبعاد زميل له من موقعه، أو التأثير في موقع مسؤول آخر، حمايةً لنفسه من قرار إعفاء محتمل.
وهنا ينبغي التوقف ملياً.
فليس من الإنصاف أن تُنسب إلى قيادات تتولى مسؤوليات بهذا الحجم تصرفات ودوافع من هذا النوع دون أدلة واضحة. وليس من سلامة التحليل أن تتحول التغييرات الإدارية، الفعلية أو المفترضة، إلى قرائن على صراعات شخصية لم تثبت وقائعها.
فالأجهزة الأمنية مؤسسات دولة، وليست ساحات للمنافسة الشخصية، والقرارات المتعلقة بقياداتها لا يجوز اختزالها في روايات عن خصومات أو تحالفات لمجرد أن مثل هذه الروايات تبدو أكثر إثارة من التفسير المؤسسي الهادئ.
وليس في هذا القول ادعاء بأن القيادات الأمنية معصومة من الخطأ، أو أن مواقعها تجعلها فوق النقد والمساءلة. فالمسؤولية، مهما علت، تظل خاضعة للتقييم، لكن المسافة بين النقد والاتهام هي المسافة نفسها بين المعلومة والإشاعة، وبين التحليل القائم على الوقائع والتفسير القائم على الظنون.
ولعل من المفارقات أننا نطالب دائماً بدولة المؤسسات، ثم نعود عند كل حديث عن تغيير محتمل لنقرأ المشهد بمنطق الأشخاص، وكأن المؤسسات تختزل في شاغلي مواقعها، وكأن القرارات لا يمكن أن تكون لها أسباب تتجاوز الحسابات الفردية.
إن سنوات الخدمة، وما تحمله من مسؤوليات وتجارب، لا تمنح أصحابها حصانة من النقد، لكنها تستحق أن تُقرأ بميزان أكثر عدلاً من تعليق عابر أو رواية مجهولة المصدر. فالتجارب المهنية لا تُختزل في لحظة تعيين، ولا تُمحى بقرار إعفاء، ولا يُحكم عليها من خلال توقعات لم تتحقق بعد.
والأخطر من ذلك أن يتحول هذا المناخ إلى وسيلة لصناعة انطباعات سلبية عن مؤسسات يفترض أن يكون التعامل مع أخبارها وتحولاتها على قدر من المسؤولية والدقة، دون أن يعني ذلك حجب المعلومات أو تعطيل حق الناس في المعرفة.
لسنا مطالبين بأن نصفق لكل مسؤول، ولا بأن ندافع عن كل من يشغل موقعاً قيادياً، ولا بأن نمنح أحداً صك براءة مسبقاً. لكننا مطالبون بألا نصنع من الاحتمالات وقائع، ومن التكهنات اتهامات، ومن قرارات التغيير، إن صدرت، أحكاماً بالإدانة.
فالدولة أبقى من الأشخاص، والمؤسسات أكبر من شاغلي مواقعها، والتغيير سنة العمل العام، لا مناسبة لتصفية الحسابات أو اغتيال السمعة المهنية.
وقد يبقى هذا المسؤول في موقعه، ويغادره آخر، وقد تتغير مواقع الجميع وفق ما تقتضيه مصلحة الدولة. لكن ما لا ينبغي أن يتغير هو المعيار الذي نحاكم به الوقائع والأشخاص: الدليل قبل الاتهام، والإنصاف قبل الحكم، والعقل قبل الانفعال.
فليس كل من بقي ناجحاً بالضرورة، وليس كل من غادر مخفقاً، وليس كل ما يُقال حقيقة تستحق التصديق.
أما أن نستبق القرارات، ونوزع الاتهامات، ونفسر النوايا، ونضع قيادات مؤسسات الدولة في قفص الاتهام لمجرد أن أسماءها ترد في أحاديث التغيير، فذلك ليس تحليلاً سياسياً، ولا نقداً مسؤولاً.
والله عيب!