لندن: محمد الطّورة
الهاشميون… أخلاق القرب من الناس وسرّ المحبة التي تجمع القيادة بالشعب
حين تكون القيادة قريبة من وجدان شعبها، لا تحتاج المحبة إلى خطاب، ولا تحتاج العلاقة بين الحاكم والمحكوم إلى وسطاء.
ليست زيارة سمو الأميرة بسمة بنت طلال لأسرة الشهيد العريف جواد السلايطة، وتقديم واجب العزاء لوالدته وشقيقاته، مجرد موقف اجتماعي عابر، أو مشاركة في مناسبة حزينة، بل هي صورة تختصر جانباً أصيلاً من أخلاق الهاشميين ونهجهم في العلاقة مع أبناء الأردن؛ ذلك النهج الذي جعل من القرب من الناس قيمة راسخة، ومن مشاركتهم أفراحهم وأحزانهم عنواناً من عناوين الحكم الهاشمي.
ففي اللحظات التي يعجز فيها الكلام عن تخفيف وجع الفقد، تكون الزيارة الصادقة، والجلوس إلى جانب أم مفجوعة، ومصافحة يد مرتجفة، ومشاركة أسرة ألمها، أبلغ من كثير من الكلمات والخطابات.
وهذا ما حملته زيارة سمو الأميرة بسمة لأسرة الشهيد جواد السلايطة؛ فقد حضرت الأميرة إلى حيث الألم، لتقول لوالدة الشهيد وشقيقاته، بالفعل قبل القول، إن ابنهن لم يكن وحده في حياته، وإن رحيله ليس وجع أسرته وحدها، بل وجع وطن بأكمله.
ولعل أجمل ما في هذا الموقف أن سموها لم تنظر إلى الشهيد من زاوية رتبته العسكرية أو موقعه الوظيفي فحسب، بل استحضرت صورته الإنسانية داخل أسرته؛ فهو في عيون الأردن بطل بذل روحه فداءً للوطن، وفي قلب والدته الابن الحبيب، وفي قلب شقيقاته الأخ الحنون. وهنا تتجلى إنسانية الموقف وعمق معناه.
الهاشميون… مدرسة في مشاركة الناس حياتهم
منذ تأسيس الدولة الأردنية، لم تُبنَ العلاقة بين القيادة الهاشمية والأردنيين على السلطة ومؤسسات الحكم وحدها، بل قامت أيضاً على روابط تاريخية واجتماعية وإنسانية، تعززت عبر عقود من التواصل المباشر، ومشاركة الناس مناسباتهم، والوقوف إلى جانبهم في أفراحهم وأتراحهم.
ففي بيوت العزاء، وفي مناسبات الأفراح، وفي القرى والبوادي والمخيمات والمدن، ظل الحضور الهاشمي يحمل رسالة واضحة: أن أبناء الأردن ليسوا مجرد مواطنين في دولة، بل هم أهل وشركاء في مسيرة وطن، وأن القيادة التي تشارك شعبها لحظات ضعفه وقوته هي قيادة تدرك أن مسؤوليتها لا تتوقف عند إدارة شؤون الدولة، بل تمتد إلى الإنسان وكرامته ومشاعره.
وهذه الأخلاق ليست وليدة موقف أو مناسبة، بل هي امتداد لنهج هاشمي توارثته الأجيال، يقوم على التواضع، والتراحم، والوفاء، واحترام الإنسان، والنزول إلى الناس دون حواجز تصنعها المناصب أو المراسم.
من المشاركة الإنسانية إلى ترسيخ الثقة ومحبة القيادة
إن أثر هذه المواقف يتجاوز حدود المجاملة الاجتماعية، ليصل إلى عمق العلاقة السياسية والوطنية بين القيادة والشعب.
فالحكم لا يستمد قوته من المؤسسات والقوانين والإنجازات وحدها، على أهميتها، بل يستمد جانباً كبيراً من متانته من ثقة الناس، وشعورهم بأن قيادتهم قريبة منهم، تسمع وجعهم، وتشاركهم أفراحهم، وتقف معهم عندما تضيق بهم الظروف.
وعندما يرى المواطن أن القيادة تشاطره حزنه، وأن أفراد الأسرة الهاشمية يصلون إلى بيته دون تكلف، ويجلسون إلى جانب أسرته في أصعب لحظاتها، فإن ذلك يعزز لديه الشعور بالانتماء، ويعمّق الثقة، ويحوّل العلاقة بين القيادة والشعب من علاقة مؤسساتية إلى رابطة وجدانية وإنسانية متجذرة.
وهنا تكمن إحدى أهم ركائز استقرار الأردن وتماسك جبهته الداخلية؛ فالمحبة المتبادلة ليست شعاراً يُرفع، وإنما رصيد يتراكم بالمواقف، ويكبر بالوفاء، ويترسخ حين يشعر الأردني أن كرامته ومصابه ومناسباته موضع اهتمام قيادته.
الأميرة بسمة… إنسانية الموقف وامتداد النهج
لقد عُرفت سمو الأميرة بسمة بنت طلال بحضورها الإنساني والاجتماعي، وباهتمامها بقضايا الناس، ولا سيما الفئات الأكثر حاجة، وبمشاركتها أبناء الأردن محطاتهم المختلفة.
وفي عزاء الشهيد جواد السلايطة، تجسدت هذه الروح بصورة مؤثرة؛ فالأميرة لم تكتفِ بتقديم التعزية عن بُعد، بل حضرت بنفسها، وجلست إلى جانب الأم التي فقدت ابنها، وشاركت الشقيقات وجع غياب أخيهن.
إن قيمة هذا الحضور لا تكمن في صفته الرسمية، بل في صدقه الإنساني. فالأم التي فقدت ابنها لا تحتاج إلى كلمات كبيرة بقدر حاجتها إلى من يشعر بها، ومن يقول لها إن تضحية ابنها لم تذهب في ذاكرة الوطن، وإن دموعها ليست بعيدة عن قلوب الأردنيين.
ولعل الرسالة الأعمق في هذا المشهد أن الشهيد، مهما كانت رتبته أو موقعه، هو ابن الأردن الذي يستحق أن يحظى أهله باهتمام وطنه وقيادته، وأن التضحية في سبيل أمن البلاد وكرامة أهلها تستحق الوفاء والتقدير.
الأردن… علاقة لا تختصرها المناصب
إن سر العلاقة الخاصة التي تجمع الأردنيين بالهاشميين لا يمكن اختزاله في السياسة أو التاريخ وحدهما، بل ينبغي النظر إليه من خلال تلك التفاصيل الإنسانية التي صنعت ذاكرة مشتركة بين القيادة والشعب.
فالملك حين يشارك مواطنيه أفراحهم وأحزانهم، والأمير حين يحضر بيت عزاء، والأميرة حين تجلس إلى جانب أم ثكلى، كل ذلك يعكس صورة الحكم القريب من الناس، الذي يرى في المواطن قيمة إنسانية قبل أن يرى فيه رقماً أو موقعاً اجتماعياً.
وهذه المواقف، على بساطتها الظاهرة، تحمل أثراً عميقاً في بناء الثقة الوطنية؛ لأنها تؤكد أن المسؤولية ليست امتيازاً، بل واجب، وأن المكانة ليست حاجزاً بين الإنسان وأخيه الإنسان، بل ينبغي أن تكون وسيلة لخدمته ومواساته والوقوف إلى جانبه.
ومن هنا، فإن محبة الأردنيين لقيادتهم الهاشمية ليست مجرد تعبير عن احترام تاريخي، بل هي أيضاً حصيلة مواقف وتجارب وذكريات، تتجدد مع كل موقف صادق، وتتعزز مع كل حضور إنساني يلامس وجدان الناس.
خاتمة: هكذا تُصان المحبة وتُبنى الأوطان
إن زيارة سمو الأميرة بسمة بنت طلال لأسرة الشهيد العريف جواد السلايطة تذكرنا بأن أعظم ما يميز القيادة ليس فقط قدرتها على اتخاذ القرار، وإنما قدرتها على أن تكون قريبة من الإنسان، حاضرة في حزنه، ومشاركة له في فرحه، ومساندة له في ضعفه.
فالهاشميون، بما ورثوه من قيم أخلاقية وإنسانية، قدموا للأردنيين عبر مسيرة الدولة نموذجاً للعلاقة التي تتجاوز حدود الحكم إلى معاني الأسرة والوفاء والانتماء.
وإذا كانت الدول تُبنى بالمؤسسات، وتحميها القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وتنهض بجهود أبنائها، فإن المحبة والثقة والتلاحم بين القيادة والشعب هي من أهم دعائم قوتها واستمرارها.
سلام على روح الشهيد جواد السلايطة، وسلام على أمه وشقيقاته، وسلام على كل أم أردنية قدمت للوطن فلذة كبدها.
والتحية لسمو الأميرة بسمة بنت طلال، التي أعادت بموقفها التذكير بمعنى أصيل من معاني النهج الهاشمي: أن القيادة الحقيقية لا تكتفي بأن تكون في مقدمة شعبها عند الانتصار، بل تكون إلى جانبه أيضاً عند الألم والفقد.
تلك هي أخلاق الهاشميين، وتلك إحدى حكايات المحبة التي تجمع العرش بالشعب، وتمنح الأردن واحدة من أثمن ركائز قوته: الإنسان، والانتماء، والوفاء.