أعاد تسجيل إصابات بداء “التريشينيلا” (Trichinella) في لبنان ملف سلامة الغذاء والرقابة على اللحوم إلى الواجهة، بعدما أُصيب عددد من الأشخاص بهذه الطفيليات، مما أدى إلى إقفال مطعم ومستودع للحوم يزوّده في العاصمة بيروت.
يأتي هذا وسط تحرك حثيث للسلطات المعنية للوقوف على ملابسات القضية، فيما تواصل الفرق المختصة إجراء الفحوص المخبرية لتحديد المصدر الدقيق للإصابات وتتبع مسار توزيع اللحوم المشتبه في تلوثها.
قلق شعبي وثقافة الأطباق النيئة
أثارت الحادثة حالة من القلق في الشارع اللبناني، خصوصاً في ظل انتشار بعض الأطباق التقليدية التي تعتمد على اللحوم النيئة مثل “الكبة النيئة”. وطرحت هذه التطورات تساؤلات ملحة بشأن آليات وصول لحوم يُشتبه في تلوثها إلى المستهلكين، ومدى فعالية منظومة الرقابة على مصادر اللحوم وتخزينها ونقلها وبيعها.
وفي وقت تنتظر فيه الأوساط الصحية والبيطرية نتائج التحقيقات النهائية، يشدد الخبراء على ضرورة تعزيز الرقابة البيطرية وتوعية المستهلكين بمخاطر تناول اللحوم غير المطهوة جيداً.
تحقيقات وبائية متواصلة
أكدت مصادر مطلعة في وزارة الصحة العامة استمرار التحقيقات الوبائية والفحوص المخبرية لتحديد مصدر الإصابات بدقة، وتتبع شبكة توزيع المستودع الذي جرى إقفاله، والتحقق مما إذا كانت مطاعم أخرى قد اقتنت منتجات منه، في إطار حزمة إجراءات عاجلة للحد من انتشار العدوى وحماية الصحة العامة.
ما هو داء “التريشينيلا”؟
أوضح طبيب العائلة والصحة العامة الدكتور علي التنير أن “داء التريشينيلا” (أو داء الشعرينات) ينتج عن طفيليات تنتقل إلى جسم الإنسان عند تناول لحوم مصابة نيئة أو غير مطهوة جيداً، ولا سيما لحوم الخنزير والخنزير البري وبعض الحيوانات الأخرى.
مرحلة الإصابة: تبدأ الطفيليات رحلتها في الجهاز الهضمي، لتنتقل اليرقات لاحقاً عبر الدورة الدموية وتستقر في الأنسجة العضلية.
الأعراض الشائعة: تبدأ بآلام البطن، الغثيان، الإسهال، والتقيؤ، تليها الحمى، آلام العضلات، الصداع، والتورم حول العينين. وفي الحالات المتقدمة، قد تحدث مضاعفات تطال القلب أو الجهاز العصبي.
التشخيص والعلاج: يعتمد التشخيص على الأعراض والتاريخ الغذائي وفحوص الدم (مثل ارتفاع خلايا الدم البيضاء الحمضية)، ويُحدد العلاج بالأدوية المضادة للطفيليات حصرياً تحت إشراف طبي.
إرشادات وقائية هامة:
تجنب تماماً تناول اللحوم النيئة أو غير المطهوة بالكامل.
شراء اللحوم حصرياً من مصادر موثوقة وخاضعة للرقابة الرسمية.
الحذر من الاعتقاد بأن التمليح، التدخين، أو التجفيف يقضي تماماً على الطفيليات.
منع التلوث التبادلي عبر تعقيم السكاكين وأدوات التقطيع والأسطح قبل استخدامها مع أطعمة أخرى.
مراجعة الطبيب فوراً عند ظهور أعراض كالحمى أو آلام العضلات بعد تناول وجبات لحوم.
أبعاد الرقابة الرسمية والمسؤولية المشتركة
أشار الدكتور التنير إلى أن المسؤولية لا تقع على عاتق المستهلك وحده، بل تبدأ من الدولة والجهات الرقابية والبيطرية (وفي مقدمتها وزارة الزراعة) عبر:
مراقبة مزارع الحيوانات والمسالخ وأماكن الذبح وإجراء الفحوص اللازمة.
مكافحة القوارض لمنع استمرار دورة حياة الطفيليات.
تشديد الرقابة على شروط النقل، التخزين، وتوزيع لحوم الحيوانات البرية والمستوردة.
ثغرات الغش التجاري وسلاسل التوريد
من جهته، حذر أمين سر نقابة تجار المواشي، ماجد عيد، من ممارسات غش تجاري متراكمة في قطاع اللحوم، تشمل خلط اللحوم الطازجة بالمثلجة أو المبردة وبيعها للمستهلك على أنها طازجة، مما يحرم المواطنين من معرفة المصدر الحقيقي للمنتجات.
ولفت عيد إلى أن لبنان يستورد لحوماً من دول عدة (مثل الهند، البرازيل، كولومبيا، وأستراليا)، مؤكداً أن التحدي الحقيقي يكمن في مراقبة مسار الشحنات بعد الإفراج عنها من المرافئ وتدقيق درجات التخزين ونقاط التوزيع. ودعا إلى:
إلزام المحال التجارية بالإفصاح بوضوح عن نوع اللحوم، بلد المنشأ، وتواريخ الصلاحية.
تحديث قوانين حماية المستهلك وتشديد العقوبات، وصولاً إلى الإقفال النهائي للمؤسسات المخالفة.
اعتماد نظام تتبع رقمي دقيق للشحنات المستوردة لتعزيز الشفافية وتحديد المسؤوليات بدقة.
تحذيرات نيابية وطبية مشددة
في السياق ذاته، حذر رئيس لجنة الصحة النيابية السابق، الدكتور عاصم عراجي، من المخاطر الصحية الجسيمة لتناول اللحوم النيئة في ظل المعطيات والتحقيقات الجارية، داعياً المواطنين إلى الالتزام التام بإجراءات الوقاية والسلامة الغذائية ريثما تتضح كامل ملابسات الأزمة وتصدر التقارير الرسمية النهائية.