لندن: محمد الطورة
نايف الطورة (أبو طارق).. حين تكون الصداقة موقفاً، والإعلام رسالة، والحضور بصمة لا تتكرر
ليست كل أعياد الميلاد مناسبة عابرة نكتفي فيها بتبادل التهاني والأمنيات، فثمة أشخاص تستحق مناسباتهم أن نتوقف عندهم، لا للاحتفاء بعام جديد من أعمارهم فحسب، بل لاستحضار ما تركوه من أثر إنساني ومهني، وما يمثلونه من قيمة في حياتنا. واليوم، بمناسبة عيد ميلاد أخي وصديقي العزيز الإعلامي نايف الطورة (أبو طارق)، وجدت أن التهنئة وحدها لا تفي الرجل حقه، وأن من حقه أن أكتب فيه كلمة تليق بمكانته وبمسيرة تستحق التقدير.
في أعياد الميلاد، لا نحتفي دائماً بمرور عام جديد من العمر، بقدر ما نحتفي بأشخاص تركوا في حياتنا أثراً لا تمحوه الأيام، وبعلاقات تجاوزت حدود الصداقة التقليدية لتصبح جزءاً أصيلاً من الذاكرة والوجدان.
واليوم، وأنا أبارك لأخي وصديقي العزيز الإعلامي نايف الطورة (أبو طارق) عيد ميلاده الذي يصادف هذا اليوم، أجدني أمام شخصية يصعب اختصارها بعبارات التهنئة المعتادة؛ فهو رجل له من طباعه ما يميّزه، ومن مواقفه ما يعرّفه، ومن حضوره ما يجعله مختلفاً. رجل يشبه نفسه، لا يستعير مواقفه من الآخرين، ولا يتردد في قول ما يؤمن به، يمتلك شجاعة التعبير ووضوح الرؤية، ويعرف أن الكلمة مسؤولية، وأن الموقف الحقيقي لا يُقاس بمدى رضا الآخرين عنه، بل بمدى انسجامه مع القناعة والمبدأ.
أما على الصعيد الإعلامي والصحفي، فإن الحديث عن أبو طارق لا يتعلق بمجرد تجربة مهنية امتدت لسنوات، وإنما بمسيرة صنعت حضوراً، وراكمت خبرة، وأثبتت أن الإعلامي الحقيقي لا تصنعه المنابر وحدها، ولا تمنحه الألقاب مكانته، بل تصنعه قدرته على قراءة المشهد، وامتلاك أدوات التأثير، والجرأة في طرح الأسئلة، والقدرة على التعبير عن قضايا الناس وهموم الوطن.
لقد حقق أبو طارق خلال مسيرته الإعلامية ما يجعله في غنى عن أي تجربة جديدة لإثبات قدراته أو التعريف بإمكاناته. فهو يمتلك رصيداً مهنياً وخبرة متراكمة، وحضوراً إعلامياً مميزاً، وشخصية قادرة على أن تترك بصمتها حيثما وجدت.
ولعل ما يجعل الحديث عن مكانته الإعلامية أكثر أهمية اليوم، أن وطننا يمر بظروف وتحديات تتطلب أصواتاً إعلامية قوية، تمتلك الخبرة والجرأة والوعي، وتعرف كيف تقرأ التحولات، وتخاطب الرأي العام بمسؤولية، وتدافع عن الحقيقة بعيداً عن ضجيج المزايدات وحسابات المصالح الضيقة.
ومن هنا، فإنني أرى أن من حق الوطن، بل من حاجته، أن يستثمر في أمثال أبو طارق، وأن يفسح المجال أمام هذه الخبرات الإعلامية الناضجة والمتمكنة لتكون حاضرة في المشهد الوطني، لا بوصفها أسماء تمتلك تاريخاً مهنياً فحسب، بل باعتبارها طاقات قادرة على الإضافة والتأثير وصناعة الفرق. فالأوطان في اللحظات المفصلية لا تحتاج إلى كثرة الأصوات بقدر حاجتها إلى أصوات تعرف ماذا تقول، ومتى تقول، وكيف تجعل من الكلمة موقفاً ومن الإعلام رسالة.
أما علاقتي الشخصية بأبي طارق، فلها حكاية أخرى لا تختصرها المسافات ولا تفسرها الظروف. إنها علاقة أخوّة وصداقة يصعب وصف عمقها بالكلمات؛ تواصل لا تحدّه الجغرافيا، ولا تقطعه انشغالات الحياة، ولا تنال منه فترات الغياب. كان حاضراً في أفراحي وأحزاني، وشاركني محطات كثيرة من حياتي، وأثبت لي مراراً أن الصداقة الحقيقية لا تُقاس بعدد اللقاءات، وإنما بصدق المواقف وثبات المشاعر.
وأقولها بصدق: إن قربي من هذا الرجل أضاف إلى تجربتي الكثير، فقد تعلمت منه، ومن حواراتنا ونقاشاتنا، الكثير في الإعلام والثقافة وقراءة الأحداث، كما عزز لدي الإصرار على النجاح، والتمسك بالأمل، وعدم الاستسلام للجانب المظلم من الحياة مهما اشتدت ظروفها. فثمة أشخاص لا يضيفون إلى حياتنا مجرد صداقتهم، بل يضيفون إلى طريقة تفكيرنا ونظرتنا للأشياء.
وكم كنت أتمنى أن تسعفني ظروفي الصحية والعائلية الخاصة لأكون إلى جانب أخي أبي طارق وعائلته الفاضلة في هذه المناسبة. وليس الأمر متعلقاً بعيد الميلاد وحده، وإنما لأن هذه المناسبة كانت فرصة طال انتظارها للقاء بعد غياب فرضته ظروف لم تكن بإرادتي، وحرمتني من زيارته في مكان إقامته. فقد حالت تلك الظروف دون لقاء كنت أتمناه، لكنني على يقين بأن المسافات مهما امتدت لا تستطيع أن تنتقص من محبة صادقة أو أن تبدل مكانة أخ عزيز.
ومن لندن، أبعث إليك يا أبا طارق أصدق التهاني وأعمق مشاعر المحبة والاعتزاز، وأقول لك إن غياب اللقاء لا يعني غياب الحضور في القلب والوجدان.
أخي أبا طارق..
كل عام وأنت بخير، وكل عام وأنت أكثر عطاءً وتألقاً ونجاحاً. أتمنى أن تحمل لك سنواتك المقبلة ما تستحقه من تقدير وفرص تليق بخبرتك ومكانتك، وأن أراك حاضراً في المشهد الإعلامي الوطني بالحجم الذي تستحقه، فثمة تجارب لا ينبغي أن تبقى مجرد ذكريات نجاح، وثمة أصوات لا ينبغي أن تغيب حين يكون الوطن في أمسّ الحاجة إليها.
حفظك الله، وحفظ عائلتك الكريمة، وأدام بيننا هذه الأخوّة التي لم تزدها المسافات إلا رسوخاً.
كل عام وأنت كما عهدتك.. صاحب موقف، وصوت له وزنه، وحضور لا يشبه سواه، ورجل يشبه نفسه.