لندن: محمد الطّورة
ثمة شخصيات لا تستطيع أن تقرأ مواقفها بمعزل عن مسيرتها، ولا أن تنظر إلى مبادراتها باعتبارها أحداثاً عابرة أو مجرد مصادفات اجتماعية. والأب نبيل حداد واحد من هذه الشخصيات التي كلما عرفتها عن قرب، واطلعت على طبيعة علاقاتها الإنسانية والاجتماعية، أدركت أن ما تقوم به يتجاوز حدود الدور الديني التقليدي، ليصل إلى مساحة أوسع من المحبة والأخوة والإيمان بالإنسان.
ومن خلال معرفتي الشخصية بالأب نبيل، لطالما لفتني ذلك القرب الاستثنائي الذي يجمعه بإخوانه المسلمين، وتلك القدرة اللافتة على بناء علاقات تتجاوز حدود الاختلاف الديني، لتقوم على المودة والثقة والاحترام والمشاركة الصادقة في الأفراح والأتراح. بل إنني أجد نفسي، من باب التقدير الشخصي، أضعه في مصاف الشخصيات العالمية التي جعلت من التقارب بين الأديان رسالة حياة، وأستحضر هنا الملك تشارلز الثالث، لما عُرف عنه من اهتمام بالحوار مع المسلمين وتعزيز التفاهم بين الأديان.
ولذلك، لم أستقبل خبر اصطحاب الأب نبيل حداد للمفوض الاتحادي الألماني لشؤون حرية الدين والمعتقد، السيد توماس راشيل، إلى جاهة عشائر المجالي في الكرك، باعتباره مجرد مشاركة مسؤول أجنبي في مناسبة اجتماعية أردنية. فقد رأيت في هذه المبادرة امتداداً طبيعياً لشخصية الأب نبيل ونهجه، ورسالة إنسانية ووطنية عميقة، تزداد أهميتها حين نعرف أن هذه المشاركة جاءت عقب زيارة الوفد الألماني إلى قرية حمود لتقديم واجب العزاء بشهداء الكنيسة، في أعقاب الحادث المأساوي الذي آلم الأردنيين جميعاً.
ومن هنا، أعتقد أن ما جرى يستحق أكثر من خبر عابر، ويستحق أن نتوقف عنده لنقرأ ما وراء المشهد، وما يحمله من دلالات تتعلق بشخصية الأب نبيل حداد، وبصورة الأردن الذي نريده ونعتز به.
الأب نبيل حداد… أكثر من رجل دين
ليس الأب نبيل حداد مجرد رجل دين يؤدي واجباته الكنسية، بل هو شخصية أردنية كرّست جانباً كبيراً من حياتها للعمل في مجال التعايش الديني والحوار بين أتباع الأديان والثقافات.
فهو مؤسس ومدير المركز الأردني لبحوث التعايش الديني، وناشط في مجال بناء السلام والتقارب بين الأديان منذ سنوات طويلة، كما ارتبط اسمه بمبادرات وحوارات محلية ودولية تعنى بترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل وحماية التنوع الديني والإنساني.
لكن ما يلفت الانتباه في تجربته ليس فقط ما يشغله من مواقع أو ما يشارك فيه من مؤتمرات وفعاليات، وإنما قدرته على الانتقال بالحوار من قاعات المؤتمرات إلى الحياة اليومية، ومن التنظير إلى العلاقات الشخصية والاجتماعية، حيث يصبح المسلم والمسيحي أخوين وصديقين وشريكين في الفرح والحزن، وفي المناسبات الوطنية والاجتماعية.
وهنا تكمن قيمة تجربته؛ فهو لا يتعامل مع المسلمين باعتبارهم مكوناً دينياً آخر ينبغي الحوار معه، وإنما باعتبارهم إخوة وشركاء في وطن واحد، تجمعهم ذاكرة مشتركة، وتاريخ واحد، ومصير واحد.
من حمود إلى جاهة المجالي… رسالة تتجاوز حدود المناسبة
ولعل أجمل ما في مبادرة الأب نبيل حداد الأخيرة أنها جاءت في توقيت يحمل دلالات عميقة.
فقد اصطحب المفوض الاتحادي للحكومة الألمانية لشؤون حرية الدين والمعتقد وعضو البرلمان الألماني، السيد توماس راشيل، والوفد المرافق له، إلى جاهة عشائر المجالي، بعد أن كان الوفد قد زار قرية حمود في محافظة الكرك، وقدم واجب العزاء بشهداء الكنيسة، في أعقاب الحادث المأساوي الذي هز مشاعر الأردنيين جميعاً.
وهنا لا بد من التوقف عند المشهدين معاً.
المشهد الأول في حمود، حيث الألم والحزن والتضامن الإنساني مع الضحايا وذويهم، في حادثة مأساوية مدانة ومرفوضة من الأردنيين جميعاً، وقد عبّر جلالة الملك عبدالله الثاني عن موقف الدولة الأردنية الرافض لهذا الاعتداء، بما يمثله من مساس بحرمة دور العبادة وأمن المجتمع ووحدته.
أما المشهد الثاني، فكان في جاهة المجالي، حيث استقبلت العشيرة ضيفها الألماني في مناسبة اجتماعية أردنية أصيلة، تتجلى فيها قيم الكرم والاحترام والتواصل بين العائلات والعشائر.
وبين المشهدين، ثمة رسالة بالغة الأهمية: أن الأردن الذي يحزن عندما يصاب أحد أبنائه، لا يسمح للحزن أو الجريمة أو التطرف بأن يمزق نسيجه الاجتماعي، وأن الحياة المشتركة بين المسلمين والمسيحيين ليست شعاراً سياسياً، بل واقع اجتماعي متجذر في وجدان الأردنيين.
ومن هنا، فإن اصطحاب الأب نبيل حداد للمسؤول الألماني إلى الجاهة لم يكن مجرد ترتيب لزيارة اجتماعية، بل كان، في قراءتي، امتداداً طبيعياً لرسالة التعزية والتضامن التي سبقتها.
فبعد أن شاهد الضيف الألماني الأردنيين في لحظة الحزن، أتاح له الأب نبيل أن يشاهدهم أيضاً في لحظة الفرح، وأن يتعرف عن قرب إلى تقاليدهم وعاداتهم، وإلى طبيعة العلاقات التي تربط أبناء المجتمع الأردني بعضهم ببعض.
إنها صورة متكاملة للأردن: مجتمع يتألم معاً، ويفرح معاً، ويقف أبناؤه إلى جانب بعضهم بعضاً، بصرف النظر عن اختلاف معتقداتهم الدينية.
لماذا كانت الجاهة تحديداً؟
أعتقد أن اختيار الجاهة لم يكن تفصيلاً عابراً.
فالجاهة في العرف الأردني ليست مجرد مناسبة لطلب يد عروس، وإنما هي طقس اجتماعي يحمل معاني الاحترام والتقدير والتكافل، ويجسد مكانة العائلة والعشيرة، ويؤكد أن الأفراح والمناسبات لا تخص أصحابها وحدهم، بل تمتد لتشمل الأهل والأصدقاء والوجهاء والمجتمع المحيط.
وعندما يحضر مسؤول ألماني بهذا المستوى إلى مثل هذه المناسبة، فإنه لا يزور مكاناً سياحياً، ولا يحضر مؤتمراً رسمياً يتحدث فيه المشاركون عن التسامح والتعايش، وإنما يعيش تجربة اجتماعية أردنية حقيقية، يرى فيها كيف تعمل قيم الكرم والاحترام والتواصل على أرض الواقع.
والأجمل أن هذه التجربة جاءت بمبادرة من الأب نبيل حداد، الذي يعرف أن أفضل وسيلة لتعريف الآخر بمجتمعنا ليست دائماً الكلمات والخطب، بل إتاحة الفرصة له ليعيش التجربة بنفسه، ويشاهد كيف يتعامل الأردنيون مع بعضهم بعضاً.
وهذه، في اعتقادي، واحدة من أهم أدوات الدبلوماسية الإنسانية التي لا تقل أثراً عن الدبلوماسية الرسمية.
الأب نبيل حداد… نموذج للعلاقة التي نريدها بين المسلمين والمسيحيين
ما يثير إعجابي في شخصية الأب نبيل حداد هو أن علاقاته مع إخوانه المسلمين تبدو أبعد بكثير من حدود الواجب الديني أو الاجتماعي.
إنه قريب من الناس، حاضر في مناسباتهم، ومبادر إلى مشاركتهم أفراحهم وأتراحهم، ويعرف كيف يوظف هذه العلاقات في خدمة فكرة أكبر: أن الإنسان يجب أن يكون أولاً، وأن الدين ينبغي أن يكون جسراً للمحبة لا حاجزاً بين البشر.
وهذا تحديداً ما يجعلني أرى في تجربته نموذجاً يستحق التقدير والتأمل.
فنحن في زمن تتصاعد فيه النزاعات الدينية والطائفية، وتُستغل فيه الاختلافات العقائدية لإشعال الكراهية والانقسام، بينما يقدم الأردن، من خلال شخصيات مثل الأب نبيل حداد، صورة مختلفة تماماً؛ صورة تؤكد أن التنوع الديني يمكن أن يكون مصدر غنى وقوة للمجتمع، وأن الاختلاف في العقيدة لا يمنع الاتفاق على الوطن والإنسان والكرامة والمحبة.
ولا يمكن هنا إغفال الدور الذي يقوم به جلالة الملك عبدالله الثاني في ترسيخ هذا النهج، من خلال مبادراته المعروفة، وفي مقدمتها رسالة عمّان والأسبوع العالمي للوئام بين الأديان، وما تحمله من دعوة إلى الاعتدال والحوار واحترام الآخر.
لكن المبادرات الكبرى تحتاج دائماً إلى أشخاص يحملون رسالتها إلى المجتمع، ويحولونها إلى سلوك يومي وعلاقات إنسانية حقيقية. والأب نبيل حداد واحد من الشخصيات التي أسهمت في هذا المجال على مدى سنوات طويلة.
رسالة إلى الخارج… وإلى الداخل أيضاً
لا أعتقد أن أهمية هذه المشاركة تقتصر على الانطباع الذي تركته لدى الضيف الألماني والوفد المرافق له، بل تتعداها إلى رسالة أوسع موجهة إلى العالم.
فالأردن ليس مجرد دولة تتحدث عن التعايش، وإنما مجتمع يمتلك تجربة تاريخية واجتماعية تستحق أن تُروى، وأن تُقدم للعالم باعتبارها نموذجاً في قدرة المسلمين والمسيحيين على العيش المشترك، والمشاركة في تفاصيل الحياة اليومية، والوقوف معاً في مواجهة الكراهية والعنف والتطرف.
وفي الوقت ذاته، فإن في هذه المبادرة رسالة لنا نحن الأردنيين، مفادها أن الحفاظ على هذه العلاقة مسؤولية مشتركة، وأن الوحدة الوطنية ليست مسؤولية الدولة وحدها، ولا تقع على عاتق القيادات السياسية والدينية فقط، وإنما تبدأ من علاقات الناس ببعضهم بعضاً، ومن قدرتهم على حماية ما يجمعهم والتمسك به.
لقد جاء المسؤول الألماني إلى حمود ليعزي، ثم انتقل إلى مناسبة عشائرية في الكرك ليشارك الأردنيين فرحتهم. وبين التعزية والجاهة، قدم الأردن صورة تختصر الكثير مما نريد أن يعرفه العالم عنا.
كلمة أخيرة… تحية للأب نبيل حداد
قد يمر البعض على خبر الجاهة دون أن ينتبه إلى ما وراءه، لكنني أرى أن هذه المبادرة تستحق أن نتوقف عندها، وأن نقرأها في سياقها الإنساني والوطني الأوسع.
فالتحية هنا ليست فقط لمن لبّى الدعوة الألمانية أو شارك في الجاهة، وإنما للأب نبيل حداد الذي أدرك أن بناء جسور المحبة لا يتحقق بالخطب وحدها، بل بالمبادرة والحضور والقدرة على جمع الناس حول القواسم المشتركة.
إننا بحاجة إلى شخصيات من هذا النوع؛ شخصيات لا تكتفي بالدعوة إلى التسامح، بل تمارسه، ولا تتحدث عن الأخوة الوطنية، بل تعيشها، ولا ترى في اختلاف الأديان سبباً للابتعاد، وإنما فرصة لاكتشاف ما يجمع البشر.
ولعل أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذا المشهد أن الأردن، في لحظات الألم كما في لحظات الفرح، يظل أكبر من كل محاولات الفرقة والكراهية.
شكراً للأب نبيل حداد، ليس فقط لأنه اصطحب ضيفاً ألمانياً إلى جاهة أردنية، بل لأنه حمل إليه، من خلال هذه المبادرة البسيطة في شكلها والعميقة في مضمونها، صورة الأردن الذي نعتز به؛ الأردن الذي يجمع أبناءه الإيمان بالإنسان، والمحبة، والاحترام، والانتماء إلى وطن واحد.