بقلم: محمد الطّورة – موظف سابق في السفارات الأردنية في الخارج
وقفة من واقع التجربة في السفارات الأردنية بالخارج من الإعلان عن الوظائف إلى العدالة الوظيفية:
يشكّل إعلان السفارة الأردنية في كندا عن شاغرين ولظيفتين، وإتاحة الفرصة أمام الجميع للتقدم وفق الشروط المعلنة، خطوة إدارية إيجابية تستحق الإشادة والتقدير، لما تجسّده من شفافية وتكافؤ للفرص. ومن واقع تجربة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود في السفارات الأردنية بالخارج، أجد في هذه الخطوة مناسبة لتسليط الضوء على أهمية ترسيخ الممارسات الإدارية السليمة، وفتح نقاش مسؤول حول أوضاع الموظفين المحليين وحقوقهم الوظيفية.
تُقاس كفاءة الإدارة العامة، في جانب مهم منها، بمدى التزامها بمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص والعدالة في التعامل مع العاملين فيها، وبقدرتها على تحويل التعليمات والأنظمة من نصوص مكتوبة إلى ممارسات عملية تعزز الثقة بالمؤسسة، وترسخ الشعور بالإنصاف لدى الجميع.
ومن هذا المنطلق، تابعت باهتمام وتقدير إعلان السفارة الأردنية في كندا، ومقرها العاصمة أوتاوا، عن شاغرين وظيفيين، في خطوة أراها ممارسة إدارية سليمة تستحق الإشادة، لما تنطوي عليه من احترام لمبدأ تكافؤ الفرص، وإتاحة المجال أمام الراغبين والمؤهلين للتقدم وفق الشروط المعلنة، بعيداً عن الاعتبارات الشخصية أو العلاقات غير المرتبطة بالكفاءة والاستحقاق.
وإذ أتقدم بالشكر والتقدير إلى سعادة السفيرة الأردنية في كندا، الأخت والزميلة السابقة في السفارة الأردنية في لندن السيدة صباح الرافعي، على هذا النهج، فإن إشادتي لا تنطلق من موقف شخصي، بل من قناعة مهنية اكتسبتها خلال عملي في السفارات الأردنية في الخارج لأكثر من ثلاثة عقود، وهي أن الإعلان عن الشواغر الوظيفية وفق الأصول والتعليمات المعتمدة يمثل خطوة أساسية نحو إدارة أكثر شفافية وعدالة، ويعزز ثقة المتقدمين بأن فرصهم تُقاس على أساس المؤهلات والكفاءة، لا على أساس المعرفة الشخصية أو التزكية المسبقة.
فالإعلان عن الوظائف وشروطها يتيح الفرصة أمام الجميع للتنافس، ويمنح المؤسسة فرصة أوسع لاختيار الشخص الأنسب، كما يحدّ من الانطباع بأن بعض الوظائف تُحسم مسبقاً من خلال العلاقات أو التوصيات الداخلية، وهي ممارسات قد تقع في بعض المؤسسات، ولا يجوز افتراض وجودها في كل سفارة أو تعميمها على الجميع. ومن هنا، تبرز أهمية الالتزام بتعاميم وزارة الخارجية وشؤون المغتربين والتعليمات ذات الصلة، بما يضمن وضوح الإجراءات وسلامتها.
إن هذه الخطوة الإيجابية تفتح الباب أمام قضية أخرى أراها جديرة باهتمام أصحاب القرار، وهي أوضاع الموظفين المحليين العاملين في السفارات الأردنية بالخارج، وما يرتبط بها من حقوق وظيفية وضمانات إدارية ومعايير للإنصاف والاستقرار المهني.
الموظفون المحليون: جنود مجهولون في العمل الدبلوماسي
من واقع التجربة، يمكن القول إن العمل في السفارات لا يقوم على الجهد الدبلوماسي وحده، بل يستند أيضاً إلى منظومة متكاملة من الأعمال الإدارية والبروتوكلية والفنية والقنصلية والخدمية التي تتطلب خبرة متراكمة، ودقة في الإنجاز، ومعرفة بطبيعة المجتمع المحلي وقوانينه وإجراءاته.
وفي هذا السياق، يؤدي الموظفون المحليون دوراً محورياً قد لا يحظى دائماً بما يستحقه من التقدير. فهم يتولون جانباً كبيراً من الأعمال اليومية، ويتابعون المعاملات، ويعدّون الوثائق والمراسلات، ويسهمون في إنجاز الخدمات المقدمة للمواطنين والمراجعين، ويضعون خبراتهم العملية في خدمة البعثة، بما يساعد الدبلوماسيين على أداء مسؤولياتهم وفق الاختصاصات والصلاحيات المقررة.
وليس في هذا الوصف انتقاص من دور الموظف الدبلوماسي أو التقليل من أهمية مسؤولياته؛ فلكل فئة واجباتها واختصاصاتها، ولكل موقع وظيفي صلاحياته ودرجته. إنما المقصود هو التأكيد أن نجاح العمل المؤسسي يعتمد على تكامل الأدوار، وأن تقدير الجهد ينبغي ألا ينفصل عن ضمان الحقوق الأساسية للعاملين، أياً كانت طبيعة تعيينهم أو مسمياتهم الوظيفية.
ومن المهم هنا توضيح أن الموظف الدبلوماسي الذي تعيّنه الوزارة بعد اجتياز إجراءات الاختيار والامتحانات والمسابقات المعتمدة، وفق الأنظمة ذات الصلة، يختلف من حيث المسار الوظيفي وطبيعة المركز القانوني عن الموظف المحلي الذي يجري تعيينه للعمل في البعثة وفق الإجراءات والموافقات المقررة. وهذا اختلاف إداري مفهوم في أصله، ولا يعني بالضرورة وجوب التطابق بين الفئتين في جميع الامتيازات أو الشروط.
لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو: إلى أي مدى ينبغي أن تمتد هذه الفوارق، وما الحد الأدنى من الحقوق والضمانات التي يجب أن تتوافر لكل موظف يؤدي عمله في خدمة الدولة ومؤسساتها في الخارج؟
تفاوت الامتيازات والحاجة إلى مراجعة منصفة
من خلال تجربتي الممتدة لأكثر من ثلاثين عاماً، لاحظت وجود جوانب من التفاوت بين الموظفين المحليين والدبلوماسيين، لا سيما في بعض المزايا المرتبطة بالتأمين الصحي، ومستويات الرواتب، والاستقرار الوظيفي، وآليات تسوية الخلافات المتعلقة بعقود العمل.
ولعلّ ما يدفعني إلى التأكيد على أهمية إيجاد آلية مؤسسية عادلة وفعّالة لتسوية الخلافات الإدارية والتعاقدية، تجربة شخصية عشت تفاصيلها بنفسي؛ إذ أمضيت ما يقارب خمس سنوات متنقلاً بين مقر السفارة ومكتب المحامي والجهات المختصة في الوزارة، مطالباً بأحد أهم حقوقي المنصوص عليها صراحةً في عقد العمل. وأمام عدم التجاوب مع مطلبي من قبل أحد أصحاب القرار في الوزارة، وجدت نفسي مضطراً إلى اللجوء إلى قضائنا الأردني العادل، الذي أنصفني في نهاية المطاف بحكم قضائي أكد أحقية مطلبي. ولم تكن هذه التجربة مجرد سنوات من الانتظار والجهد والإجراءات القانونية التي تحمّلتها على المستوى الشخصي، بل ترتبت عليها أيضاً أعباء مالية إضافية على الوزارة تمثلت في النفقات القضائية وأتعاب المحاماة، وهي أعباء كان بالإمكان تجنبها لو جرى التعامل مع المطالبة منذ البداية وفق مقتضيات العدالة والالتزام بالعقد. وإنني إذ أورد هذه التجربة، لا أقصد الإساءة إلى الوزارة أو التشكيك في مؤسساتها، بل أطرحها مثالاً عملياً على أهمية وجود آلية واضحة ومستقلة للنظر في تظلمات الموظفين المحليين، تضمن إنصاف صاحب الحق في الوقت المناسب، وتحول دون اضطراره إلى استنزاف سنوات من عمره في سبيل الحصول على حق تعاقدي، كما تحمي المال العام من نفقات إضافية يمكن تفاديها من خلال المعالجة الإدارية السليمة.
وفي الجانب الصحي، تبرز مسألة التغطية التأمينية للموظف المحلي وأفراد أسرته، ومدى شمولها للخدمات الأساسية، بما فيها علاجات الأسنان. وهي مسألة تستحق المراجعة، ليس من باب المطالبة بتطابق آلي بين جميع الفئات الوظيفية، وإنما من منطلق أن الرعاية الصحية الأساسية ينبغي أن تُدرس باعتبارها عنصراً مهماً من عناصر الاستقرار الوظيفي والاجتماعي، وأن تكون أي فروق في التغطية واضحة ومبررة وقائمة على أسس موضوعية.
أما فيما يتعلق بالرواتب، فمن الطبيعي أن تختلف الأجور باختلاف الوظائف والمسؤوليات والمؤهلات وظروف سوق العمل في الدولة المضيفة. غير أن ذلك لا يحول دون مراجعة أنظمة الأجور بصورة دورية، والتحقق من مدى تناسبها مع طبيعة المهام وحجم المسؤوليات وتكاليف المعيشة، وبما يحقق التوازن بين متطلبات العمل ومبدأ العدالة في التعويض.
فالعدالة الوظيفية لا تعني بالضرورة مساواة جميع الموظفين في الرواتب والامتيازات، بل تعني أن تكون الفوارق قائمة على معايير واضحة، وأن يحصل كل موظف على حقوقه المتفق عليها، وأن يعرف مسبقاً الأسس التي تحكم علاقته الوظيفية بالمؤسسة.
الاستقرار الوظيفي وسيادة القانون
لعل المسألة الأكثر حساسية تتعلق بطبيعة العلاقة الإدارية بين الموظف المحلي والسفارة التي يعمل فيها. ففي ظل ترتيبات قد تمنح رئيس البعثة دوراً مؤثراً في قرارات التعيين وإنهاء الخدمة، يمكن أن يشعر الموظف المحلي بأن استقراره الوظيفي مرتبط بدرجة كبيرة بالتقدير الشخصي للمسؤول المباشر، لا بقواعد مؤسسية ثابتة ومحددة.
ولا يعني ذلك التشكيك في نزاهة السفراء أو كفاءتهم؛ فالسفراء يتحملون مسؤوليات كبيرة، ويحتاجون إلى صلاحيات تمكّنهم من إدارة البعثات ومتابعة أداء العاملين فيها. غير أن وجود الصلاحيات لا يتعارض مع ضرورة إحاطتها بضوابط واضحة، تكفل سلامة استعمالها، وتحقق التوازن بين متطلبات الإدارة وحقوق الموظفين.
فالمؤسسة القوية هي التي لا تجعل الحقوق رهناً بتغير الأشخاص، بل تستند إلى قواعد مستقرة وإجراءات معلنة. كما أن الإدارة الرشيدة لا تضعف صلاحيات المسؤول عندما تخضعها للضوابط، بل تعزز مشروعيتها وتحمي المسؤول والموظف والمؤسسة في آن واحد.
ومن هنا، تبرز أهمية وضع إطار تنظيمي واضح للعلاقة بين السفارات الأردنية وموظفيها المحليين، يحدد أسس التعيين، وشروط العمل، والرواتب والمزايا، وآليات تقييم الأداء، والإجراءات المتعلقة بالمساءلة وإنهاء الخدمة، وسبل الاعتراض والتظلم.
وينبغي أن يتضمن هذا الإطار آلية عادلة وفعالة لتسوية النزاعات الناشئة عن عقود العمل، بحيث لا يجد الموظف نفسه مضطراً إلى اللجوء إلى القضاء في كل خلاف يتعلق بحقوق تعاقدية يمكن حسمها من خلال إجراء إداري واضح ومستقل. فاللجوء إلى القضاء حق مكفول وفق القانون الواجب التطبيق، لكنه قد يترتب عليه وقت وجهد وتكاليف إضافية، الأمر الذي يجعل وجود آلية مؤسسية للتظلم والتسوية أمراً جديراً بالاهتمام.
ولا بد، في هذا السياق، من مراعاة قوانين الدول المضيفة والالتزامات القانونية ذات الصلة، بما يضمن أن تكون التعليمات المعتمدة قابلة للتطبيق، ومتوافقة مع القواعد القانونية التي تحكم علاقة العمل في كل دولة.
من الممارسة الإيجابية إلى الإصلاح المؤسسي
إن الإشادة بإعلان السفارة الأردنية في كندا عن الشاغرين الوظيفيين ليست غاية في حد ذاتها، بل هي مناسبة للتأكيد أن الممارسات الإدارية السليمة تستحق أن تُعتمد وتُرسخ وتصبح نهجاً مؤسسياً ثابتاً. فالإعلان الواضح عن الوظائف، وتحديد شروطها، وإتاحة الفرصة أمام المتقدمين على قدم المساواة، كلها خطوات تعزز الثقة بالإدارة العامة، وتؤكد أن الكفاءة والاستحقاق هما الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه قرارات التوظيف.
وبالمثل، فإن مراجعة أوضاع الموظفين المحليين في السفارات الأردنية بالخارج لا ينبغي أن تُفهم بوصفها انتقاداً للمؤسسة التي تشرفت بالعمل في إطارها وإلى عدد من الأخوة السفراء الذين عملت بمعيتهم وتجمعني بهم علاقات أخوية صادقة على المستويين الرسمي والشخصي ، وإنما باعتبارها دعوة إلى تطوير بعض الجوانب التنظيمية التي تمس شريحة تؤدي دوراً مهماً في نجاح العمل الدبلوماسي والقنصلي.
ويمكن لوزارة الخارجية وشؤون المغتربين، بالتنسيق مع الجهات الحكومية المختصة، أن تدرس وضع تعليمات موحدة أو إطار تنظيمي أكثر وضوحاً، مع مراعاة اختلاف التشريعات وظروف العمل من دولة إلى أخرى، بحيث يحدد الحقوق والواجبات، وينظم المزايا والتعويضات، ويضع ضوابط لقرارات إنهاء الخدمة، ويوفر قنوات واضحة ومستقلة للتظلم وتسوية النزاعات.
كما أن مراجعة هذه المسائل بصورة دورية، والاستماع إلى خبرات العاملين الحاليين والسابقين، من شأنهما أن يقدما صورة أكثر اكتمالاً عن التحديات العملية، وأن يساعدا في بناء حلول متوازنة تراعي مصلحة الدولة والبعثات والعاملين فيها على حد سواء.
كلمة أخيرة
بعد أكثر من ثلاثة عقود قضيتها في العمل ضمن السفارات الأردنية في الخارج، ما زلت أعتز بتجربتي وبالمؤسسة التي تشرفت بخدمتها. ومن هذا الاعتزاز تحديداً تنبع رغبتي في تسليط الضوء من خلال عملي في الصحافة والإعلام على بعض المسائل التي أعتقد أنها تستحق المراجعة، إيماناً بأن المؤسسات الوطنية تتطور بالحوار المسؤول، وبالاستفادة من تجارب العاملين فيها، وبالقدرة على التمييز بين النقد الذي يستهدف التجريح، والملاحظات التي تنطلق من الحرص على الإصلاح.
وإذا كانت خطوة الإعلان عن الوظائف في السفارة الأردنية في كندا تمثل مثالاً إيجابياً على احترام مبدأ تكافؤ الفرص، فإن الخطوة المكملة التي نأملها هي تعزيز العدالة الوظيفية للموظفين المحليين، وتوفير إطار واضح يحمي حقوقهم وينظم واجباتهم، ويضمن أن تكون العلاقة بينهم وبين البعثات محكومة بالقانون والتعليمات، لا بالاجتهادات الشخصية وحدها.
فالهدف ليس المساواة المطلقة بين فئات تختلف في طبيعة تعيينها ومسؤولياتها، وإنما تحقيق الإنصاف، وصون الحقوق التعاقدية، وتعزيز الاستقرار المهني، وترسيخ ثقافة مؤسسية تقوم على وضوح القواعد واحترامها.
إن قوة المؤسسات لا تُقاس فقط بقدرتها على إنجاز المهام، بل أيضاً بمدى عدالة الأنظمة التي تحكم علاقاتها الداخلية، وبقدرتها على صون كرامة العاملين فيها وحماية حقوقهم. وحين تجتمع الكفاءة مع الشفافية، والصلاحية مع المساءلة، والواجب مع الحق، تصبح الإدارة أكثر رسوخاً، ويصبح الانتماء للمؤسسة أكثر عمقاً، وتكون خدمة الأردن ومصالحه في الخارج أكثر كفاءة واستدامة.
وهذا، في نهاية المطاف، هو المقصد من هذه الوقفة: الإشادة بما يستحق الإشادة، والدعوة إلى مراجعة ما يستحق المراجعة، انطلاقاً من تجربة مهنية طويلة، وحرص صادق على أن تبقى مؤسسات الدولة الأردنية نموذجاً في المهنية والعدالة وحسن الإدارة.