كتب المحرر السياسي
حين يتحدث رئيس عربي عن مغادرة السلطة… لماذا يبدو الأمر استثنائياً؟
بعد أن بلغت العقد السادس من العمر، وبعد أن عاصرت من الأحداث والتحولات السياسية العربية ما يكفي لأن تتكون لديّ صورة عن طبيعة العلاقة بين الحاكم والسلطة في عالمنا العربي، وجدتني أتوقف طويلاً أمام تصريح للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قال فيه إن مدة رئاسته ستنتهي عام 2030، وإن مغادرته منصبه أمر محسوم تماماً، مؤكداً أن الدستور المصري لن يُمس.
قد يبدو هذا التصريح أمراً عادياً في دول تحترم مؤسساتها الدستورية، وتستقر فيها قواعد تداول السلطة، ويكون فيها منصب الرئيس وظيفة عامة محددة المدة، لا ملكية خاصة يتوارثها الطامحون أو يحتكرها أصحاب النفوذ. لكن المفارقة أن أمراً كهذا لا يزال، في ذاكرتنا السياسية العربية، يستحق التوقف عنده والتأمل فيه.
ما الذي يجعل تصريحاً عن احترام الدستور ومغادرة المنصب في موعده خبراً يستدعي الإعجاب؟
إنه السؤال الذي يختصر جانباً مؤلماً من تجربتنا العربية. فقد اعتدنا، على امتداد عقود، أن نسمع عن تمديد الولايات الرئاسية، وتعديل الدساتير بما يخدم بقاء الحاكم، وإعادة إنتاج السلطة تحت عناوين شتى، حتى بدا وكأن مغادرة الرئيس لمنصبه طواعية، وفي الموعد الدستوري المحدد، استثناء يحتاج إلى تفسير، لا قاعدة يفترض أن تكون بديهية.
ولعل تجربة الرئيس السوداني الراحل عبد الرحمن سوار الذهب تظل حاضرة في هذا السياق. فقد تولى السلطة في السودان عام 1985، وتعهد بتسليمها إلى حكومة منتخبة، ثم أوفى بتعهده عام 1986. وقد اكتسبت تجربته مكانة خاصة في الذاكرة السياسية العربية، لأنها قدمت مثالاً نادراً على أن الوصول إلى السلطة لا يعني بالضرورة التشبث بها، وأن قيمة المسؤول لا تقاس فقط بما يفعله وهو في الحكم، بل أيضاً بقدرته على مغادرته حين يحين الأجل.
ومن هنا، فإن تصريح السيسي يستحق أن يُقرأ من زاوية المبدأ الذي يتضمنه: أن للرئاسة مدة محددة، وأن الدستور ليس نصاً قابلاً للتطويع وفق رغبات الحاكم، وأن المنصب، مهما بلغت أهميته، ليس غاية أبدية، بل مسؤولية مؤقتة تنتهي بانتهاء مدتها.
وإذا كان من حقي، بعد هذه العقود الستة، أن أبدي إعجابي بهذا الكلام، فإن إعجابي لا ينبع من مجرد صدور تصريح سياسي، بل من أهمية أن يصبح احترام الدستور ومغادرة السلطة في موعدها أمراً معلناً بوضوح على لسان رئيس عربي. ففي منطقتنا، حيث ارتبطت السلطة طويلاً بأسماء أصحابها، وحيث كثيراً ما جرى التعامل مع الدستور باعتباره نصاً يمكن تعديله كلما تعارض مع حسابات البقاء، تصبح مثل هذه التصريحات موضع اهتمام خاص.
لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين القول والفعل. فالتاريخ لا يسجل التصريحات وحدها، وإنما يسجل أيضاً مدى الالتزام بها. والاختبار الحقيقي لأي تعهد رئاسي ليس في جمال عباراته أو قوة نبرته، بل في احترامه عند حلول موعده، وفي صون النصوص الدستورية والمؤسسات التي تضمن انتقال السلطة بصورة قانونية وسلمية.
لذلك، فإن الإعجاب بهذا التصريح لا ينبغي أن يكون شيكاً على بياض، ولا حكماً مسبقاً على تجربة سياسية بأكملها؛ بل هو إعجاب بالمبدأ الذي يعلنه، وأمل في أن يتحول إلى واقع راسخ. فالدستور لا تكتمل هيبته بمجرد التعهد باحترامه، وإنما حين يكون الجميع، حاكماً ومحكوماً، خاضعين لأحكامه من دون استثناء.
إن الدول لا تُبنى بقوة حكامها وحدها، بل بقوة مؤسساتها، وبقدرتها على الاستمرار من دون أن تتوقف على شخص، أو ترتبط بإرادة فرد. والرئيس الذي يطمئن شعبه إلى أن السلطة لها نهاية دستورية يساهم، متى صدق فعله قوله، في ترسيخ فكرة بالغة الأهمية: أن الدولة أكبر من الحاكم، وأن بقاءها لا يتطلب بقاءه.
بعد ستة عقود من العمر، لا أجد في الإعجاب بهذا التصريح مبالغة، بل أجد فيه تعبيراً عن توق قديم إلى أن نرى في عالمنا العربي ما اعتادت عليه شعوب كثيرة في تجاربها الدستورية: رئيساً يتولى منصبه وفق قواعد محددة، ويمارس سلطاته في إطار الدستور، ثم يغادره حين تنتهي ولايته، لتستمر الدولة وتبقى مؤسساتها.
ليس الإنجاز أن يبقى الحاكم في منصبه أطول مدة ممكنة؛ الإنجاز أن يترك وراءه دولة تحترم دستورها، ومؤسسات لا تتوقف على وجوده، وتقاليد سياسية تجعل انتقال السلطة أمراً طبيعياً لا حدثاً استثنائياً.
وإذا كان الرئيس السيسي قد أعلن أن ولايته ستنتهي عام 2030، وأن الدستور لن يُمس، فإن من حقنا أن نأمل أن يكون هذا التصريح عنواناً لمرحلة تُحترم فيها الكلمة، ويُصان فيها الدستور، وتُقدَّم فيها الدولة على الأشخاص.
ذلك هو المعيار الذي أتمنى أن نصل إليه في عالمنا العربي: ألا نندهش حين يعلن رئيس أنه سيغادر منصبه في موعده، بل أن نندهش إذا فكر في البقاء خارج ما يسمح به الدستور.
فاحترام الدستور ليس فضيلة استثنائية، بل واجب الحكم الرشيد. ومغادرة السلطة في موعدها ليست تضحية من الحاكم، بل حق للدولة وشعبها، وواجب تفرضه قواعد الحكم الدستوري.
ولعل اليوم الذي يصبح فيه هذا المعنى بديهياً في بلادنا العربية سيكون يوماً يستحق الاحتفاء حقاً.