
لندن: محمد الطّورة
من لندن إلى الشوبك… رسالة وفاء إلى روح أبي: قد يعرقلون رسالتنا الإعلامية، لكنهم لن يهزموا إرادتنا الوطنية
المغفور له بإذن الله تعالى والدي الحبيب الحاج محمود علي صباح الطّورة … سلامٌ على روحك الطاهرة يا أبي، يا من حملت شعار الجيش العربي شرفاً ووفاءً، وجعلت من خدمة الشوبك وأهلها رسالة ومسؤولية وعهداً لا ينقطع. سلامٌ عليك يا من غرست فينا حب الأردن والولاء لقيادته الهاشمية، وعلمتنا أن المبادئ لا تُساوَم، وأن كرامة الإنسان الحقيقية تظهر حين يتمسك بقيمه، مهما اشتدت الصعاب وتكاثرت العراقيل.
والدي الحبيب،
أكتب إليك من لندن، بعيداً عن الشوبك التي أحببت، وعن الأرض التي عشت فيها أجمل ذكرياتي، وكأنني أعود بكلمات هذه الرسالة إلى بيتنا القديم، حيث تعلمت منك أن الوطن ليس مكاناً نعيش فيه فحسب، بل أمانة نحملها في ضمائرنا، وأن الوفاء له لا يرتبط بمنصب أو وظيفة، ولا يتغير بتغير الظروف والمصالح.
أكتب إليك اليوم لأنني أمرّ بتجربة جعلتني أستحضر كثيراً مما علمتني إياه، ولأنني أريد أن أقول لك، وأنت في رحاب الله، إن ابنك ما زال على العهد الذي تربى عليه، وإن السنوات التي مضت، والمسافات التي باعدت بيني وبين الوطن، والصعوبات التي اعترضت طريقي، لم تنتزع من قلبي ما غرسته فيه من حب الأردن والولاء لقيادته.
لقد أمضيت أكثر من ثلاثة عقود في العمل العام، من خلال سفارات الأردن في الخارج، أحمل اسم وطني وأعتز بخدمته. وحين غادرت ذلك الموقع، لم أعتبر أنني غادرت ميدان المسؤولية الوطنية؛ فخدمة الوطن ليست وظيفة تنتهي بالاستقالة، ولا واجباً يسقط بانتهاء الخدمة، بل انتماء يبقى ما بقي في الإنسان قلب ينبض وضمير يؤمن.
ومن هذا الإيمان، لبّيت نداء الوطن حين أتيحت لي الفرصة للمساهمة، بالتعاون مع منتسبين في بعض مؤسساتنا الوطنية، في إنجاز مهمة تتصل بمصلحة الأردن وقيادته الهاشمية. وقد تحقق النجاح، بفضل الله، ثم بدعم أصحاب القرار. لم نعمل بحثاً عن مجد شخصي، ولم يكن هدفنا منافسة أحد، بل أردنا أن نؤدي واجباً نعتقد أنه يخدم وطننا ويحقق الغاية المنشودة.
لكن ما أعقب ذلك من مواقف وصعوبات جعلني أختبر معنى آخر من معاني الثبات على المبادئ. فعندما شرعت في تأسيس مشروعي الإعلامي الأردني، واجهت تعقيدات في إجراءات الترخيص، شملت طلبات واستفسارات طالت المشروع وبعض المتعاونين معي، حتى الفنيين الذين أسهموا في إنجازه. وقد دفعتني طبيعة هذه الوقائع وتسلسلها إلى الاعتقاد بأن حساسيات مرتبطة بالمهمة السابقة كانت وراء جانب من تلك العراقيل.
لم يكن بوسعي أن أجزم بنوايا الآخرين، لكنني كنت أملك ما يكفي من التساؤلات لأشعر بأن الطريق الذي اخترته لن يكون سهلاً. وهنا، يا أبي، تذكرت أن المبادئ لا تُختبر حين تكون الطرق معبّدة والأبواب مفتوحة، بل حين يصبح الوصول إلى الغاية محفوفاً بالعقبات، وحين يجد الإنسان نفسه أمام خيارين: إما أن يساوم على قناعاته طلباً للراحة، وإما أن يتمسك بها ويتحمل كلفة موقفه.
لم أدخل في خصومة مع أحد، ولم أجعل مما واجهته سبباً للصدام مع مؤسسات وطني التي خدمت فيها سنوات طويلة، وأحمل لها الاحترام والتقدير. فما تعلمته منك أن الاختلاف مع الأشخاص لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة مع الوطن، وأن الإساءة التي قد يشعر بها الإنسان من بعض المواقف لا تبرر له أن يتخلى عن أخلاقه أو يتنازل عن مبادئه.
لم يكن صمتي عن الخصومة ضعفاً، ولم تكن مغادرتي تراجعاً، كما أن عودتي إلى لندن لم تكن استقالة جديدة من واجبي الوطني. لقد اخترت أن أحافظ على مشروعي، وأن أواصل رسالتي الإعلامية من خارج الأردن، بدلاً من أن أستهلك ما تبقى من طاقتي في نزاع لا أريده، ولا أرى فيه ما يخدم الوطن الذي أحب.
أبي الحبيب، لست ممن يلقون الكلام على عواهنه، أو يطلقون الأحكام جزافاً، ولا أكتب هذه الكلمات بدافع الشكوى أو رغبة في تسجيل موقف ضد أحد. إنني على أتم الاستعداد لوضع كل ما واجهته من وقائع وتفاصيل أمام صاحب الشأن، بكل وضوح وشفافية، لا انتصاراً لنفسي، بل حرصاً على تصويب أي خلل قد تكون له انعكاسات تتجاوز تجربتي الشخصية إلى صورة وطننا وسمعته في الخارج. فما يقلقني حقاً ليس ما واجهته أنا فحسب، بل أن تتكرر مثل هذه التجربة مع آخرين يحملون لوطنهم المحبة ذاتها، فيتحول ما كان بالإمكان معالجته بالحوار والإنصاف إلى شعور بالمرارة والاغتراب، وربما إلى مواقف سلبية كان من الممكن تجنبها. فليس من مصلحة الوطن أن يدفع أحد أبنائه، بسبب تجربة غير منصفة، إلى الابتعاد عنه أو اتخاذ موقف منه؛ بل من واجبنا جميعاً أن نصون جسور الانتماء، وأن نعالج مواطن الخلل بالحكمة والعدل، حتى يبقى الأردن أكبر من الخلافات، وتظل مؤسساته موضع ثقة واحترام.
وبعد كل ما واجهته من صعوبات، قررت مواصلة الطريق من لندن، فأطلقت موقعي الإعلامي «العموم نيوز»، محافظاً على هويته الأردنية، ومتمسكاً برسالته في متابعة أخبار الأردن وقضاياه. لم تكن عودتي إلى لندن تخلياً عن مشروعي أو ابتعاداً عن وطني، بل كانت محاولة لتجاوز العقبات ومواصلة العمل من خارج المملكة. غير أنني فوجئت باستمرار القيود، إذ جرى حجب وصول الموقع عن بعض المتابعين، استناداً إلى صدوره من الخارج وعدم حصوله على ترخيص في الأردن، رغم أن اهتمامه ينصب على الشأن الأردني. وهكذا وجدت نفسي أمام تساؤل مشروع: إذا كانت الغاية هي مواصلة خدمة الوطن إعلامياً من الخارج، فلماذا تظل العقبات قائمة حتى بعد تغيير مكان إصدار الموقع؟
وهنا تتسع الحكاية، يا أبي، لتتجاوز تجربتي الشخصية إلى سؤال أراه جديراً بالنقاش: لماذا يصبح العمل الإعلامي الأردني الصادر من الخارج موضع إشكال لمجرد مكان صدوره، بينما توجد منصات خارجية أخرى تتناول الأردن وقيادته ومؤسساته، بعضها بما نراه مجحفاً أو بعيداً عن الإنصاف؟ وعلى الرغم من ذلك لم يتم حجبها او إتخاذ أي أجراء ضدها، إننا لا نطلب امتيازاً، ولا نرفض تطبيق القانون، وإنما نؤمن بأن وضوح المعايير واتساق تطبيقها وعدالتها هي الأساس الذي ينبغي أن يحكم التعامل مع الجميع.
فالإعلام المسؤول لا يفقد هويته الوطنية لأن صاحبه يعيش في الغربة، كما أن حب الوطن لا يُقاس بمكان إقامة الإنسان، ولا بعدد السنوات التي أمضاها داخل حدوده. قد تبتعد الأجساد، لكن الأوطان التي تسكن القلوب لا تغادرها، وقد تتعطل المشاريع، لكن الرسالة لا تموت ما دام وراءها إنسان يؤمن بها.
والدي الحبيب، هنا تحديداً أردت أن أحدثك. ليس لأنني أبحث عن تبرير لما واجهت، بل لأنني أريد أن أطمئنك إلى أن ما علمتني إياه ما زال أقوى من كل ما اعترض طريقي.
قد يملك البعض صلاحية تعقيد المعاملات، وقد يستطيعون وضع العراقيل أمام مشروع إعلامي أو تأخير انطلاقته، لكنهم لا يملكون أن يقرروا ما الذي ينبغي أن أؤمن به، ولا أن ينتزعوا من قلبي محبتي للأردن ووفائي لقيادته. قد يعرقلون رسالتنا الإعلامية، لكنهم لن يهزموا إرادتنا الوطنية.
لن أبيع مبادئي من أجل مصلحة، ولن أغير مواقفي إرضاءً لأحد، ولن أجعل من الصعوبات سبباً للتخلي عن الثوابت التي نشأت عليها. فالانتماء الحقيقي لا يظهر عندما تكون المصالح مضمونة، بل عندما يصبح التمسك بالمبادئ مكلفاً؛ والوفاء للوطن ليس صفقة نتمسك بها حين تنفعنا، ثم نتخلى عنها حين تتعقد أمورنا.
لقد علمتني يا أبي أن كرامة الإنسان ليست في قدرته على رد الإساءة بمثلها، بل في قدرته على ألا يسمح للإساءة بأن تغيّر أخلاقه، وأن القوة ليست في الدخول في كل مواجهة، بل في معرفة المعارك التي تستحق أن نخوضها، والمبادئ التي لا يجوز أن نتنازل عنها. ولذلك سأظل أحترم مؤسسات وطني، وأتمسك بحقي في العمل الإعلامي المسؤول، وأدافع عن مشروعي بالوسائل المشروعة، من دون أن أسمح للخلافات الشخصية بأن تصرفني عن رسالتي.
وها أنا اليوم، رغم الغربة، ما زلت أحمل الأردن في قلبي، وأحمل الشوبك في ذاكرتي، وأحمل وصاياك في ضميري. ما زلت أؤمن أن حب الوطن لا يتجزأ، وأن الولاء لقيادته ليس موقفاً مرتبطاً بظرف أو مصلحة، بل قيمة تربينا عليها وعهد لا نساوم عليه.
نم قرير العين يا أبي؛ فابنك الذي ربيته على حب الأردن والوفاء لقيادته لم يتغيّر ، ولن تغيّره المصالح بعد مغادرتها، ولن تجعله العراقيل يتخلى عن المبادئ التي غرستها في نفسه. قد تتغير مواقعنا، وقد تتبدل ظروفنا، وقد نضطر إلى مواصلة الطريق من بعيد، لكننا لن نبدل انتماءنا، ولن نبيع قناعاتنا، ولن نخاصم وطننا من أجل خلاف مع أحد.
رحمك الله يا أبي رحمة واسعة، وأسكنك فسيح جناته. ليتني أستطيع أن أجلس أمامك اليوم، فأضع بين يديك ما واجهت، وأسمع منك كلمة واحدة تعيد إلى القلب طمأنينته. لكنني أكتفي بأن أكتب إليك، وأن أستحضر ما علمتني إياه، وأن أمضي على الطريق الذي ربيتني عليه.
سلام على روحك الطاهرة، وسلام على المبادئ التي تركتها أمانة في أعناقنا. سأبقى على العهد يا أبي؛ أردنياً محباً لوطنه، وفياً لقيادته، ثابتاً على مبادئه، لا تشتريه المصالح ولا تهزمه العراقيل.
ابنك المحب، الذي ما زال يشتاق إليك، ويستمد من ذكراك القوة والثبات.