في الصورة جلالة الملك عبدالله الثاني وجلالة الملكة رانيا العبدالله وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، وعدد من الحضور من بينهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال إحدى جلسات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
لندن: محمد الطّورة
دور جلالة الملك عبدالله الثاني وجلالة الملكة رانيا العبدالله في العلاقات الدولية المعاصرة: مساران متوازيان للحضور والتأثير
كثيرًا ما تُطرح أمامي، خلال حضوري عددًا من الندوات واللقاءات في لندن، وبحكم عملي ناشرًا لموقع «العموم نيوز»، أسئلة تتعلق بالأردن ودوره على الساحة الدولية، ولا سيما ما يتصل بنشاطات جلالة الملك عبدالله الثاني وجلالة الملكة رانيا العبدالله، وطبيعة الأدوار التي يضطلع بها كل منهما، وكيفية تكاملها في تعزيز حضور الأردن وخدمة قضاياه الوطنية والعربية.
وتعكس هذه الأسئلة اهتمامًا بفهم الحضور الأردني في المشهد الدولي، ليس من زاوية التحركات السياسية والدبلوماسية فحسب، بل أيضًا من خلال المبادرات الإنسانية والتنموية والثقافية التي تسهم في إيصال صوت الأردن والتعريف بمواقفه واهتماماته أمام المجتمعات والمؤسسات الدولية.
ففي الوقت الذي يقود فيه جلالة الملك عبدالله الثاني جهود الأردن السياسية والدبلوماسية، ويعمل على ترسيخ علاقاته الدولية والدفاع عن مصالحه ومواقفه تجاه القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، تضطلع جلالة الملكة رانيا العبدالله بدور بارز في مجالات التعليم والعمل الإنساني وتمكين المرأة وحماية الطفل ودعم اللاجئين، بما يفتح مسارات أخرى للحضور والتأثير الأردني على المستوى الدولي.
ومن هنا، تأتي هذه المقالة محاولةً لتسليط الضوء على هذين المسارين، انطلاقًا من خصوصية دور كل منهما، وما يجمعهما من اهتمام بتعزيز مكانة الأردن وخدمة قضاياه، والإسهام في إبراز القضايا العربية أمام المجتمع الدولي، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وهي قراءة تستند إلى الأنشطة والمواقف والمشاركات المعلنة والموثقة، بهدف تقديم صورة أوضح عن تعدد أدوات الحضور الأردني في عالم تتشابك فيه السياسة مع القضايا الإنسانية والتنموية والثقافية.
شهدت العلاقات الدولية المعاصرة تحولات واسعة جعلت حضور الدول وتأثيرها في المجتمع الدولي يرتبطان بمجموعة متنوعة من الأدوات، تشمل الدبلوماسية السياسية، وبناء الشراكات الاستراتيجية، والمشاركة في معالجة الأزمات الدولية، إلى جانب التعليم والعمل الإنساني والتنمية والحوار بين الثقافات. وفي هذا السياق، تتجلى التجربة الأردنية من خلال مسارين بارزين يرتبطان بدور جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين وجلالة الملكة رانيا العبدالله في تعزيز حضور الأردن على الساحة الدولية، مع اختلاف مجالات عمل كل منهما وأدواته.
يمثل جلالة الملك عبدالله الثاني المسار السياسي والدبلوماسي الرسمي للمملكة، من خلال قيادة جهود السياسة الخارجية، وتطوير العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف، والمشاركة في معالجة القضايا الإقليمية والدولية، والدفاع عن المصالح الوطنية الأردنية. وفي المقابل، يمثل دور جلالة الملكة رانيا العبدالله مسارًا دوليًا يرتكز على التعليم والعمل الإنساني وتمكين المرأة وحماية الطفل ودعم اللاجئين والحوار بين الثقافات، من خلال المبادرات والمشاركات والمنتديات الدولية التي تتيح تناول هذه القضايا وتعزيز التعاون بشأنها.
وعلى الرغم من اختلاف طبيعة المسارين، فإن كليهما يسهم في تشكيل حضور الأردن الدولي، كلٌّ من موقعه ومجال عمله. فالعلاقات الدولية لا تتشكل من خلال القرارات السياسية والمفاوضات الرسمية وحدها، كما أن المبادرات الإنسانية والتنموية أصبحت جزءًا مهمًا من تفاعل الدول مع المجتمع الدولي. ومن هنا، تبرز أهمية دراسة الدورين معًا، ليس باعتبار أحدهما تابعًا للآخر، وإنما بوصفهما مسارين متوازيين يتقاطعان في خدمة قضايا الأردن وتعزيز تواصله مع العالم.
أولًا: جلالة الملك عبدالله الثاني والمسار السياسي والدبلوماسي في العلاقات الدولية
يضطلع جلالة الملك عبدالله الثاني بدور محوري في توجيه السياسة الخارجية الأردنية وتحديد أولوياتها، وتمثيل المملكة في المحافل الدولية، وبناء علاقاتها مع الدول والمنظمات الدولية. ويتجلى هذا الدور من خلال اللقاءات مع قادة الدول، والزيارات الرسمية، والمشاركة في القمم والمؤتمرات الدولية، والخطابات التي تعرض المواقف الأردنية تجاه القضايا الإقليمية والعالمية.
وتبرز القضية الفلسطينية في صدارة التحركات الدبلوماسية لجلالة الملك، إذ يؤكد باستمرار ضرورة التوصل إلى حل سياسي يستند إلى حل الدولتين، ويضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. كما يركز على وقف الحرب في غزة، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، واحترام القانون الدولي. وتظهر هذه المواقف في مشاركاته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وفي اللقاءات الدولية التي يسعى الأردن من خلالها إلى حشد الدعم السياسي للتوصل إلى تسوية عادلة ودائمة للصراع.
ويشمل هذا المسار كذلك تعزيز العلاقات الأردنية مع الدول العربية والقوى الدولية، وتطوير التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، والمشاركة في الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار الإقليمي. وتكتسب هذه الجهود أهمية خاصة في ظل التحديات التي تواجه الشرق الأوسط، حيث تتطلب معالجة الأزمات تنسيقًا مستمرًا بين الدول، وتبادلًا للمواقف، وبناء تفاهمات بشأن الأمن والسلام والتنمية.
ومن المجالات الأخرى التي يحتل فيها جلالة الملك موقعًا بارزًا قضية القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية، في إطار الوصاية الهاشمية، وما يرتبط بها من جهود للحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المدينة. ويعكس هذا الدور ارتباط السياسة الخارجية الأردنية بقضايا ذات أبعاد سياسية ودينية وقانونية وإنسانية، تتطلب تواصلًا مستمرًا مع الأطراف الإقليمية والدولية.
وعليه، يشكل المسار الذي يقوده جلالة الملك أحد الأبعاد الأساسية للحضور الأردني في العلاقات الدولية، من خلال الدبلوماسية الرسمية، وتحديد المواقف السياسية، وإدارة العلاقات الخارجية، والتعامل مع الملفات التي تمس الأمن الوطني الأردني والاستقرار الإقليمي والدولي. ويمكن تتبع هذا الدور من خلال أرشيف الخطابات الملكية واللقاءات والزيارات المنشور على الموقع الرسمي للديوان الملكي الهاشمي.
ثانيًا: جلالة الملكة رانيا العبدالله والمسار الإنساني والتنموي والثقافي في العلاقات الدولية
إلى جانب المسار السياسي والدبلوماسي، يبرز دور جلالة الملكة رانيا العبدالله في مجالات تمثل بدورها أبعادًا مهمة من العلاقات الدولية المعاصرة، ولا سيما التعليم والعمل الإنساني وتمكين المرأة وحماية الأطفال ودعم اللاجئين والحوار بين الثقافات. ويقوم هذا المسار على المشاركة في المنتديات العالمية، وإطلاق المبادرات، والتواصل مع المؤسسات الدولية والشخصيات المؤثرة، وتسليط الضوء على قضايا التنمية والعدالة الاجتماعية والفرص المتكافئة.
ويمثل التعليم أحد أبرز مجالات هذا الدور، إذ ركزت جلالة الملكة على تطوير التعليم وتحسين نوعيته، ودعم المعلمين، وتوسيع فرص التعلم أمام الأطفال والفتيات، وتعزيز الاستفادة من التكنولوجيا في العملية التعليمية. وقد امتد هذا الاهتمام من المبادرات الوطنية إلى المشاركة في النقاشات الدولية بشأن مستقبل التعليم، والفجوات التعليمية، وضرورة توفير فرص التعلم للفئات الأكثر عرضة للتهميش.
وترتبط هذه الجهود بمجموعة من المؤسسات والمبادرات التعليمية، مثل مؤسسة الملكة رانيا للتعليم والتنمية، وأكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين، ومنصة إدراك للتعلم الإلكتروني. وتوضح هذه التجربة كيف يمكن لقضايا التعليم أن تشكل مجالًا للتعاون الدولي وتبادل الخبرات، وأن تسهم في ربط التجربة الأردنية بالنقاشات العالمية المتعلقة بالتنمية المستدامة وبناء القدرات البشرية.
وفي مجال العمل الإنساني، يحظى ملف اللاجئين باهتمام واضح في مشاركات جلالة الملكة الدولية، خصوصًا في ظل التحديات التي تواجه الأردن نتيجة الأزمات الإقليمية. وقد أسهم حضورها في المؤتمرات والمنتديات الدولية في إبراز الجوانب الإنسانية لأزمات اللجوء، بما يشمل احتياجات الأطفال والنساء، واستمرار التعليم في ظروف النزوح، وأهمية توفير الحماية والخدمات الأساسية للاجئين. كما يتيح هذا المسار عرض التجربة الأردنية أمام المجتمع الدولي، والتأكيد على أهمية التعاون وتقاسم المسؤوليات في مواجهة الأزمات الإنسانية.
ويشكل تمكين المرأة وحماية الطفل مجالًا آخر من مجالات نشاط جلالة الملكة. فمن خلال مشاركاتها الدولية، تناولت قضايا تعليم الفتيات، وتكافؤ الفرص، وحماية الأطفال، ودور المرأة في التنمية والمجتمع. وتكتسب هذه الموضوعات أهمية في العلاقات الدولية لأنها ترتبط بأهداف التنمية المستدامة وبالجهود العالمية الرامية إلى تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية للفئات المختلفة.
كما يمتد هذا المسار إلى تعزيز الحوار بين الثقافات، والتصدي للصور النمطية، وتشجيع التفاهم بين المجتمعات. وتوفر المنتديات الدولية والمنصات الإعلامية والثقافية فرصًا للتواصل بشأن القضايا المشتركة، وتبادل الخبرات، وتعزيز الاهتمام بالقيم الإنسانية التي تجمع الشعوب رغم اختلاف خلفياتها الثقافية والدينية.
وبذلك، يتشكل دور جلالة الملكة في العلاقات الدولية من خلال مجالات واضحة ومستقلة في طبيعتها وأدواتها، لا تقتصر على تمثيل الأردن في المناسبات الرسمية، بل تمتد إلى المشاركة في النقاشات العالمية، ودعم المبادرات التنموية والإنسانية، وتعزيز التعاون بين المؤسسات والمجتمعات. ويمكن تتبع هذا الدور من خلال أرشيف موقعها الرسمي، الذي يوثق مشاركاتها الدولية وخطاباتها ومبادراتها في مجالات التعليم واللاجئين وتمكين المرأة والطفل.
ثالثًا: مساران متوازيان وتكامل في الحضور الأردني الدولي
إن النظر إلى دور جلالة الملك عبدالله الثاني ودور جلالة الملكة رانيا العبدالله في إطار واحد يتيح فهمًا أوسع لتعدد مجالات الحضور الأردني في العلاقات الدولية. فالمسار السياسي والدبلوماسي والمسار الإنساني والتنموي يختلفان في طبيعة الأدوات المستخدمة والجهات التي يتوجهان إليها، لكنهما يلتقيان في ارتباطهما بقضايا الأردن وعلاقاته بالعالم.
ففي المجال السياسي، تتجلى تحركات جلالة الملك في اللقاءات مع القادة وصناع القرار، والمشاركة في القمم الدولية، وطرح المواقف الأردنية بشأن القضايا الإقليمية، وبناء التفاهمات والشراكات بين الدول. أما في المجال الإنساني والتنموي، فتظهر تحركات جلالة الملكة في المؤتمرات الدولية المعنية بالتعليم واللاجئين وحقوق الطفل وتمكين المرأة، وفي المبادرات التي تربط التجربة الأردنية بالقضايا العالمية.
ويظهر اختلاف المسارين بوضوح عند تناول القضية الفلسطينية. فمن الناحية السياسية، يركز جلالة الملك على الحلول الدبلوماسية، ووقف الحرب، وتحقيق حل الدولتين، وحماية المقدسات في القدس، وحشد المواقف الدولية الداعمة للحقوق الفلسطينية. ومن الناحية الإنسانية والتنموية، تتيح مجالات عمل جلالة الملكة تناول آثار النزاعات على الأطفال والتعليم والنساء واللاجئين، وإبراز الاحتياجات الإنسانية والاجتماعية للفئات المتضررة. ولا يعني ذلك حصر أي منهما في هذا المثال، بل يوضح كيف يمكن لقضية دولية واحدة أن تُتناول من زوايا مختلفة، لكل منها أدواته ومجاله.
ويكشف هذا التنوع أن الحضور الدولي لا يعتمد على شكل واحد من أشكال التأثير. فالدبلوماسية السياسية تؤدي دورًا رئيسيًا في صياغة المواقف الرسمية والتفاوض بشأن القضايا الدولية، بينما تسهم المبادرات الإنسانية والتنموية والثقافية في توسيع دوائر التواصل والتعاون، وإبراز قضايا قد لا تحظى بالاهتمام نفسه في المفاوضات السياسية. ويتيح وجود المسارين معًا تناول العلاقات الدولية من منظور يشمل الدول وصناع القرار من جهة، والمجتمعات والأفراد والمؤسسات من جهة أخرى.
ومن ثم، فإن دراسة دور جلالة الملك ودور جلالة الملكة تتطلب المحافظة على خصوصية كل مسار، وعدم اختزال دور أحدهما في الآخر. فالمسار الملكي السياسي والدبلوماسي يرتبط بقيادة السياسة الخارجية وتمثيل الدولة، بينما يتمتع المسار الذي تضطلع به جلالة الملكة بمجالات عمله الخاصة في التنمية والعمل الإنساني والتعليم والحوار الثقافي. ويُظهر هذا التعدد اتساع مجالات المشاركة الأردنية في العلاقات الدولية المعاصرة.
توضح تجربة الأردن في العلاقات الدولية أهمية تنوع الأدوار والمجالات التي تسهم في تعزيز حضوره على الساحة العالمية. فمن خلال الدور السياسي والدبلوماسي لجلالة الملك عبدالله الثاني، تتحدد المواقف الأردنية تجاه القضايا الإقليمية والدولية، وتتطور العلاقات مع الدول والمنظمات الدولية، وتُبذل الجهود الدبلوماسية الرامية إلى حماية المصالح الوطنية وتعزيز الاستقرار والسلام.
وفي الوقت نفسه، يشكل الدور الإنساني والتنموي والثقافي لجلالة الملكة رانيا العبدالله مجالًا مهمًا للحضور الأردني الدولي، من خلال التعليم وتمكين المرأة وحماية الطفل ودعم اللاجئين والحوار بين الثقافات. وتتيح هذه المجالات التواصل مع المؤسسات والمجتمعات الدولية، وتعزيز الاهتمام بقضايا التنمية والاحتياجات الإنسانية والتحديات الاجتماعية.
وعليه، فإن فهم دور الأردن في العلاقات الدولية المعاصرة يستلزم النظر إلى هذين المسارين بوصفهما مسارين متوازيين، يختلفان في طبيعة العمل والأدوات، ويلتقيان في اتساع الحضور الأردني وتعدد قنوات التواصل مع العالم. ويتيح الجمع بينهما قراءة أكثر شمولًا للعلاقات الدولية، باعتبارها مجالًا تتفاعل فيه السياسة والدبلوماسية مع التنمية والعمل الإنساني والثقافة، من دون أن يفقد كل مسار خصوصيته أو طبيعته المستقلة.