لندن: محمد الطّورة
العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة الأردنية الهاشمية من واقع المعايشة وشهادة التاريخ
زايد والحسين أرسيا دعائم الأخوة.. ومحمد بن زايد والملك عبدالله يواصلان مسيرتها
حين أكتب عن العلاقات الأخوية التي تجمع دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة الأردنية الهاشمية، فإنني أستند إلى تجربة شخصية عشت تفاصيلها عن قرب، وليست مجرد معلومات قرأتها أو وقائع نقلتها المصادر. فقد أتاح لي عملي في الدائرة الخاصة لصاحب السمو المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، خلال ثمانينيات القرن الماضي، أن أعايش جانباً من تلك المرحلة التي تجسدت فيها معاني الأخوة الصادقة بين القيادتين والشعبين. ومن خلال ما شهدته ولمسته في تلك الفترة، أدركت أن العلاقة بين الشيخ زايد وأخيه المغفور له الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، كانت أعمق من حدود العلاقات الرسمية، إذ قامت على الثقة والمودة والتقدير المتبادل، وترسخت بمواقف ومبادرات عكست أصالة الروابط بين البلدين. ومن هنا، تأتي هذه السطور لتوثق بعضاً من ملامح تلك العلاقة، وتلقي الضوء على مسيرة أخوية امتدت من الآباء إلى الأبناء، ولا تزال تواصل حضورها وتجددها في ظل قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وأخيه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين.
العلاقات التي تجمع دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة الأردنية الهاشمية ليست مجرد علاقات دبلوماسية تحكمها المصالح المشتركة، أو اتفاقيات تنظم التعاون بين دولتين شقيقتين، بل هي حكاية أخوة عربية أصيلة، تأسست على الثقة والاحترام المتبادل، وترسخت عبر عقود من التواصل والتضامن، وامتدت من الآباء المؤسسين إلى الأبناء، لتواصل مسيرتها بثبات في ظل قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، وأخيه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، ملك المملكة الأردنية الهاشمية.
إنها علاقة تحمل في جذورها إرثاً تاريخياً وإنسانياً عميقاً، وتستمد قوتها من روابط الشعبين، ومن إيمان راسخ بأن ما يجمع العرب من تاريخ وثقافة ومصير مشترك أكبر من حدود الجغرافيا، وأن الأخوة الحقيقية تظهر في المواقف، وتترجمها الشراكات والعمل المشترك، وتؤكدها الأيام.
من الشيخ زايد والملك الحسين.. بدأت الحكاية
تعود جذور العلاقات الإماراتية الأردنية الحديثة إلى مرحلة تأسيس دولة الإمارات عام 1971، حين حرص المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، على بناء علاقات عربية تقوم على التضامن والتعاون والتكامل، وكان الأردن، بقيادة المغفور له الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، من الدول التي ارتبطت مبكراً بدولة الاتحاد الناشئة.
وقد اعترف الأردن بقيام دولة الإمارات في الثالث من ديسمبر عام 1971، بعد يوم واحد من إعلان الاتحاد، وافتُتحت السفارة الأردنية في أبوظبي عام 1972، ثم افتتحت دولة الإمارات سفارتها في عمّان في يوليو عام 1973، لتبدأ مرحلة جديدة من العلاقات الدبلوماسية التي استندت إلى روابط الأخوة والتفاهم بين القيادتين والشعبين.
ولم تكن العلاقة بين الشيخ زايد والملك الحسين علاقة بروتوكولية فحسب، بل قامت على التواصل والتشاور والحرص على تعزيز العمل العربي المشترك. وقد أسهم هذا التقارب في وضع أسس متينة لعلاقة تجاوزت حدود التمثيل الدبلوماسي، لتشمل التعاون السياسي والاقتصادي والتنموي والإنساني.
ومنذ تلك المرحلة، ظل الأردن والإمارات ينظر كل منهما إلى الآخر بوصفه شريكاً عربياً يرتبط معه بمصالح مشتركة ورؤية تقوم على دعم الاستقرار والتنمية وتعزيز التضامن بين الدول العربية.
من الآباء إلى الأبناء.. استمرارية النهج وتجدد الشراكة
مع رحيل الجيل المؤسس، لم تتراجع العلاقات الإماراتية الأردنية، بل واصلت تطورها في ظل القيادتين الحاليتين، اللتين حافظتا على الإرث الذي تركه الشيخ زايد والملك الحسين، وعملا على توسيع مجالات التعاون بما يتناسب مع المتغيرات الإقليمية والدولية ومتطلبات التنمية الحديثة.
وفي عهد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رحمه الله، والملك عبدالله الثاني، استمرت مسيرة التعاون والتنسيق بين البلدين، وتعززت الشراكة في مجالات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والتعليم والأمن، إلى جانب استمرار التواصل السياسي على مختلف المستويات.
واليوم، تتواصل هذه المسيرة في ظل قيادة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان والملك عبدالله الثاني، من خلال اللقاءات والزيارات المتبادلة والتشاور المستمر بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك. وقد عكست اللقاءات بين الزعيمين حرصاً متبادلاً على البناء على ما تحقق، وفتح آفاق جديدة للتعاون تخدم مصالح البلدين وتطلعات شعبيهما.
وهكذا، لم تنتقل العلاقة من جيل إلى آخر بوصفها إرثاً تاريخياً فقط، بل انتقلت معها المسؤولية عن تطويرها وتجديد أدواتها، لتبقى الأخوة ثابتة، فيما تتوسع مجالات الشراكة وتتنوع أهدافها.
شراكة سياسية تقوم على الثقة والتنسيق
يشكل التنسيق السياسي أحد الأعمدة الرئيسية للعلاقات بين الإمارات والأردن. فقد حافظ البلدان على قنوات اتصال مستمرة بين قيادتيهما ومسؤوليهما، وتبادلا وجهات النظر بشأن التطورات العربية والإقليمية والدولية، بما يعكس أهمية التشاور في التعامل مع التحديات المشتركة.
ويبرز هذا التنسيق في القضايا المتعلقة بأمن المنطقة واستقرارها، وفي التأكيد على أهمية الحوار والدبلوماسية في تسوية النزاعات، ودعم الجهود الرامية إلى خفض التوترات وتجنب اتساع دائرة الصراعات.
كما يحتل الملف الفلسطيني مكانة مهمة في اهتمام البلدين، في ضوء موقفهما المعلن الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني، وضرورة التوصل إلى سلام عادل ودائم، وفق قرارات الشرعية الدولية، وبما يضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أساس حل الدولتين.
ويكتسب هذا الجانب أهمية إضافية في ظل الدور الأردني المرتبط بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، إلى جانب الجهود الإماراتية السياسية والإنسانية لدعم الشعب الفلسطيني. ويعكس التنسيق بين البلدين إدراكاً لأهمية العمل العربي المشترك في مواجهة الأزمات الإنسانية والسياسية.
الاقتصاد والاستثمار.. من الأخوة إلى المصالح التنموية
إذا كانت الروابط التاريخية قد أرست أساس العلاقة، فإن التعاون الاقتصادي والاستثماري يمنحها اليوم أبعاداً عملية واسعة. فقد شهدت العلاقات الإماراتية الأردنية تطوراً ملحوظاً في التجارة والاستثمار، وأصبحت الإمارات شريكاً اقتصادياً مهماً للأردن، فيما توفر المملكة فرصاً استثمارية في قطاعات متعددة.
وتتوزع الاستثمارات الإماراتية في الأردن على مجالات تشمل العقارات والسياحة والطاقة والنقل والصناعة والخدمات، إلى جانب قطاعات أخرى ترتبط بالتنمية والبنية التحتية. ويسهم هذا التعاون في دعم النشاط الاقتصادي وتوسيع فرص العمل وتعزيز قدرة القطاعات الإنتاجية على النمو.
كما تمثل اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين البلدين، التي دخلت حيز التنفيذ في 15 مايو 2025، محطة مهمة في مسار التعاون التجاري؛ إذ تستهدف تسهيل التبادل التجاري، وتوسيع فرص وصول السلع والخدمات إلى الأسواق، وتعزيز الشراكات بين الشركات والمستثمرين.
ومن المشروعات التي تعكس اتساع هذه الشراكة، مشروع سكة حديد ميناء العقبة، الذي يستهدف ربط مناطق التعدين في الشيدية وغور الصافي بميناء العقبة، بما يدعم نقل الفوسفات والبوتاس، ويعزز كفاءة النقل والخدمات اللوجستية، ويفتح آفاقاً جديدة أمام قطاع التعدين والصادرات الأردنية.
وتكشف هذه المشروعات عن تحول العلاقات من التعاون التقليدي إلى شراكات تنموية طويلة الأمد، ترتبط بنتائج ملموسة في البنية التحتية والإنتاج والتجارة، وتؤسس لمزيد من التكامل الاقتصادي بين البلدين.
التعليم والصحة والروابط الإنسانية
لا تقتصر العلاقات الإماراتية الأردنية على السياسة والاقتصاد، بل تمتد إلى الإنسان بوصفه محور التنمية وغايتها. فقد أسهمت الكفاءات الأردنية، على مدى عقود، في دعم قطاعات حيوية داخل دولة الإمارات، من بينها التعليم والصحة والهندسة والإدارة والاقتصاد والإعلام.
وقد ترك المعلمون والأطباء والمهندسون والخبراء الأردنيون بصمات واضحة في مسيرة التنمية الإماراتية، فيما شكلت الإمارات، بما وفرته من فرص عمل واستقرار مهني، وجهة مهمة للعديد من الأردنيين الذين أسهموا بخبراتهم في بناء المؤسسات وتطوير الخدمات.
وفي المقابل، يمثل التعاون التعليمي والثقافي وتبادل الخبرات فرصة لتعزيز التواصل بين الأجيال الجديدة، وترسيخ معرفة متبادلة بتاريخ البلدين وتجربتيهما التنمويتين.
وتبقى هذه الروابط الإنسانية من أهم عناصر استدامة العلاقة؛ لأنها لا تعتمد على الاتفاقيات وحدها، بل تقوم على تجارب يومية من العمل والجوار والتعاون والصداقة، تجعل الأخوة بين الشعبين واقعاً معاشاً يتجاوز الإطار الرسمي.
الثقافة والعادات.. قواسم مشتركة تجمع الشعبين
تتقاطع الثقافة الإماراتية والأردنية في كثير من الملامح العربية الأصيلة، من الاعتزاز باللغة العربية والشعر، إلى تقدير الضيافة وإكرام الضيف، والتمسك بالعادات والتقاليد، والاحتفاء بالتراث الشعبي.
وتمنح هذه القواسم المشتركة العلاقات بين الشعبين عمقاً اجتماعياً خاصاً؛ فالتقارب الثقافي لا تصنعه المؤسسات وحدها، بل تعززه المجالس واللقاءات العائلية والمناسبات الوطنية والشعرية، إلى جانب المهرجانات والفعاليات الثقافية التي تتيح التعرف إلى تراث كل بلد وتجربته.
كما يشكل الاهتمام بالتراث العربي والبدوي، وما يحمله من قيم الشهامة والوفاء والتكافل، مساحة مشتركة يتفاعل من خلالها الإماراتيون والأردنيون، وتنتقل عبرها معاني الأخوة من جيل إلى آخر.
ومن هنا، فإن الحفاظ على هذا التقارب الثقافي يمثل استثماراً في المستقبل، خصوصاً لدى الشباب، الذين تقع على عاتقهم مسؤولية مواصلة هذه المسيرة وصون ما تراكم فيها من ثقة ومودة.
التضامن في الأوقات الصعبة.. حين تتحدث المواقف
تكتسب العلاقات الأخوية قيمتها الحقيقية عندما تتحول إلى مواقف عملية في أوقات الأزمات. وقد شكل التعاون الإنساني والإغاثي بين الإمارات والأردن أحد المجالات التي تجلت فيها أهمية التنسيق والعمل المشترك، ولا سيما في الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في المنطقة.
وفي الملف الفلسطيني، برز التعاون بين البلدين في سياق الجهود الرامية إلى إيصال المساعدات وتخفيف معاناة المدنيين في قطاع غزة، إلى جانب التحركات السياسية والدبلوماسية المرتبطة بوقف التصعيد ودعم المسار المؤدي إلى سلام عادل.
وتعكس هذه الجهود أهمية تكامل الأدوار، والاستفادة من الإمكانات والخبرات المتاحة لدى كل دولة، بما يعزز فاعلية الاستجابة الإنسانية ويمنح العمل المشترك بعداً يتجاوز المصالح الثنائية إلى المسؤولية تجاه الإنسان العربي.
إن التضامن في هذه المواقف ليس منفصلاً عن تاريخ العلاقات، بل امتداد طبيعي لفكرة تأسست عليها منذ البداية: أن الأخوة مسؤولية متبادلة، وأن التعاون يكتسب معناه الأعمق حين يسهم في تخفيف المعاناة ودعم الاستقرار.
نحو مستقبل أوسع للشراكة
مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي يشهدها العالم، تبدو أمام الإمارات والأردن فرص إضافية لتوسيع التعاون في مجالات الطاقة المتجددة والأمن الغذائي والتكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي والسياحة والنقل والتعليم والابتكار.
ويمكن للشراكة بين البلدين أن تستفيد من الخبرات والإمكانات الإماراتية في الاستثمار وتطوير المشروعات، ومن الكفاءات الأردنية وخبراتها البشرية وموقع المملكة الجغرافي، بما يتيح بناء مشروعات مشتركة ذات قيمة مضافة للاقتصادين.
كما يمثل تمكين الشباب ورواد الأعمال، وتوسيع التبادل الأكاديمي والبحثي، وتشجيع الشركات الصغيرة والمتوسطة على دخول الأسواق، مسارات مهمة لتحويل العلاقات التاريخية إلى فرص جديدة للأجيال المقبلة.
ويتطلب استمرار هذا التطور الحفاظ على قنوات التشاور والتنسيق، ومتابعة تنفيذ الاتفاقيات، وربط الشراكات الاستثمارية بأهداف تنموية واضحة، حتى تنعكس نتائجها بصورة أوسع على حياة المواطنين في البلدين.
أخوة تتجدد مع الزمن
إن العلاقات الإماراتية الأردنية تقدم مثالاً على قدرة الروابط العربية الراسخة على الاستمرار والتجدد عبر الأجيال. فمن اللقاءات التي جمعت الشيخ زايد والملك الحسين، إلى الشراكة التي يواصل تعزيزها الشيخ محمد بن زايد والملك عبدالله الثاني، بقيت الثقة والاحترام المتبادل والتعاون المشترك عناصر أساسية في مسيرة البلدين.
لقد أسس الآباء علاقة متينة، وحافظ الأبناء عليها وطوروها، فيما تتطلع الأجيال الجديدة إلى توسيع آفاقها في ميادين المعرفة والاقتصاد والابتكار والتنمية الإنسانية.
وهكذا، تظل الإمارات والأردن أكثر من شريكين تجمعهما مصالح متبادلة؛ فهما بلدان تربطهما ذاكرة مشتركة من المواقف والتعاون، وتجمعهما تطلعات إلى مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
إنها أخوة متجذرة في التاريخ، متجددة في الحاضر، وممتدة إلى المستقبل؛ أخوة بدأت بين الآباء، واستقرت في وجدان الأبناء، لتبقى جسراً من الثقة والتعاون بين شعبين شقيقين، وعنواناً لعلاقة عربية تتوارثها الأجيال وتحافظ على جوهرها، مهما تغيرت الظروف وتبدلت التحديات.