لندن: محمد الطّورة
من الفريق أول المرحوم فيصل الطّورة إلى الفريق الركن الطيار يوسف الحنيطي.. السيناريو ذاته وحتى الروايات متشابهه
يبدو أن بعض الأقلام في الإعلام لديها قاعدة ثابتة لا تتغير: كلما تغير قائد للجيش أو مدير للمخابرات، بدأت حفلة التأويل، وتحولت الإحالة إلى التقاعد إلى «إطاحة»، والتغيير إلى «صراع أجنحة»، والتوقيت إلى «رسالة»، والقرار الأردني إلى استجابة لضغوط خارجية.
حدث ذلك عند مغادرة الفريق أول فيصل الطّورة الشوبكي قيادة دائرة المخابرات العامة عام 2017، ويعاد المشهد اليوم مع إحالة الفريق يوسف الحنيطي إلى التقاعد وتعيين قيادة جديدة للقوات المسلحة.
قد تختلف الظروف والأسماء، لكن السيناريو الإعلامي نفسه تقريبًا.
في حالة الطّورة، لم تكد تمر ساعات على التغيير حتى بدأت الروايات عن الأسباب الخفية، وربط القرار بالقمة العربية وبملفات إقليمية وأمنية مختلفة. واليوم، مع الحنيطي، تتكرر الرواية ذاتها: لماذا الآن؟ هل للولايات المتحدة علاقة؟ هل هناك إعادة ترتيب للمؤسسة العسكرية؟ هل القرار مرتبط بالحرب والتطورات الإقليمية؟
كل ذلك يمكن طرحه كأسئلة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأسئلة إلى أجوبة، والاحتمالات إلى حقائق، والتكهنات إلى «معلومات» لا أحد يعرف مصدرها.
والأغرب أن أصحاب هذه الروايات يتعاملون مع التغيير في المؤسسات العسكرية والأمنية الأردنية وكأنه حدث استثنائي لا يحدث إلا في الأردن، بينما تغيير القيادات العسكرية والأمنية في دول العالم كبيرها وصغيرها أمر متكرر وطبيعي في إدارة الدول ومؤسساتها.
فلماذا يصبح التغيير في الأردن دائمًا مؤامرة؟
لماذا لا يكون السؤال ببساطة: ما الذي تريده القيادة من التغيير؟ وما الذي ستفعله القيادة الجديدة؟ وهل ستتحسن كفاءة المؤسسة أم لا؟
القادة يغادرون، والمؤسسات تبقى.
والدولة التي تستطيع تغيير قيادات مؤسساتها دون أن تتوقف المؤسسة أو تهتز الدولة ليست دولة في حالة انقلاب دائم كما يحاول البعض تصويرها.
نعم، من حق الصحفي أن يسأل، ومن حق المواطن أن يعرف، ومن حق الجميع أن ينتقد.
لكن هناك فرقًا هائلًا بين النقد والتحليل وبين صناعة الشك.
فإذا كان هناك دليل على تدخل خارجي، فليُقدَّم.
وإذا كان هناك صراع داخل مؤسسة، فليُكشف.
وإذا كان هناك تقصير، فلتُذكر الوقائع.
أما أن يكون كل تغيير «إطاحة»، وكل إحالة «مؤامرة»، وكل تعيين «صفقة»، وكل توقيت «رسالة»، فهذا ليس تحليلًا سياسيًا بقدر ما هو إنتاج مستمر للشك والاحتقان.
وهنا يصبح السؤال الأهم:
لماذا لا نسمع هذه الأبواق بالحدة نفسها عندما تحدث تغييرات أكثر جذرية في جيوش وأجهزة أمن دول أخرى؟ ولماذا يصبح الأردن تحديدًا ساحة مفتوحة لكل رواية سوداء عند كل تغيير في قياداته العسكرية والأمنية؟
ليس المطلوب أن نصفق للقرارات، ولا أن نمنع النقد.
المطلوب فقط أن نسأل أصحاب هذه الروايات سؤالًا بسيطًا:
ما دليلكم؟
فالأردن يحتاج إلى صحافة تسأل وتحقق وتناقش، لا إلى أصوات لا تظهر إلا لتصب الزيت على النار، وتحوّل كل تغيير في مؤسسة وطنية إلى أزمة، وكل إجراء إلى مؤامرة، وكل قائد يغادر موقعه إلى ضحية «إطاحة».
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم من «لماذا ذهب الحنيطي؟» أو «لماذا ذهب الطّورة؟» هو:
من المستفيد من إبقاء الأردني مقتنعًا بأن كل تغيير في دولته يخفي وراءه أسباب غامضة؟
واليوم وبعد نحو عشر سنوات تفصل بين تغيير المرحوم الفريق أول فيصل الطّورة وتغيير الفريق الركن الطيار يوسف الحنيطي، ألا تكفي كل هذه السنوات وكل ما حملته من متغيرات وأحداث لكي نعيد النظر في الطريقة التي نقرأ بها قرارات الدولة؟