(من أدب الرحلات)
من إربد إلى الشونة الشمالية، لا تتجاوز المسافة نحو الغرب ثلث ساعة تقريباً. طريق قصير، لكنه يأخذك سريعاً من المدينة إلى فضاء آخر؛ فضاء الأغوار والنهر والحدود والذاكرة.
نصل إلى الشونة الشمالية، فيستقبلنا مقام الصحابي الجليل معاذ بن جبل، الذي توفي هنا بالطاعون، ومعه ابنه عبد الرحمن. مقامان يقفان إلى يسار الطريق عند معبر الشونة، كأنهما يستقبلان القادمين إلى هذه المنطقة بحكاية من زمن بعيد.
ندخل، نسلّم على صاحب رسول الله محمد، صلى الله عليه وسلم، ونقف لحظة أمام المكان. ثم نواصل الطريق، وكأننا ننتقل من ذاكرة إلى أخرى؛ من مقام صحابي حمل رسالة الإسلام في صدره، إلى نهر يحمل ذاكرة البلاد، إلى حدود تفصل جغرافيا بين أرض وأرض، فيما تبقى الروح أوسع من الخرائط.
غرب إربد، لا تحتاج إلى كثير من الوقت كي تشعر أن الجغرافيا بدأت تتحدث بلغة مختلفة.
نمضي باتجاه الغرب، حيث ينحدر الطريق نحو الأغوار، وحيث يظهر النهر الخالد، نهر الأردن، كخط مائي صغير يحمل فوق مائه تاريخاً أكبر من مجراه. هناك، لا تبدو فلسطين بعيدة كما تبدو على الخرائط؛ سلسلة جبلية فقط تفصل العين عن الأرض الأخرى، وأحياناً يبدو الأمر وكأن المسافة بيننا وبينها ليست سوى التفاتة رأس.
نمضي نحو الشمال بمحاذاة قناة الغور الشرقية، ذلك الشريط المائي الذي يرافق الطريق طويلاً، وكأنه يعرف تفاصيل المكان أكثر منا. نتخطى العدسية الحدودية، ونواصل السير بمحاذاة الحدود.
ومن هناك تبدأ فلسطين بالظهور.
طرقات وشوارع على مرمى البصر، وسيارات تعبرها، وحركة يومية عادية في أرض غير عادية. تنظر طويلاً إلى المشهد، ثم تقع العين على شيء لا يمكن تجاهله.
اللعنة.. ما هذا؟
خرقة بيضاء وزرقاء معلقة هناك، يسمونها علماً، فيما تختزن في الذاكرة العربية كل ما رافق تلك الألوان من وجع واحتلال وحكايات لم تنتهِ.
لا نطيل الوقوف.
نواصل المسير شمالاً، وكأن الطريق يريد أن يختبر قدرتنا على النظر دون أن نتورط في الكلام. ثم ننعطف قليلاً نحو الشرق، قبل أن نعود شمالاً من جديد، لنصل إلى المنطقة التي يلتقي فيها الأردن وفلسطين غرباً، وسوريا الشقيقة شمال شرق.
هنا تصبح الحدود أكثر من خط على الأرض.
إنها ذاكرة معلقة بين ثلاثة اتجاهات، ومشهد واحد يستطيع أن يجمع الماء والجبل والقرية والحدود والتاريخ في لحظة واحدة.
نصل إلى المخيبة الفوقا والمخيبة التحتا.
وهنا، لمن لا يعرف المكان، تبدأ الحكاية الأكثر طرافة في جغرافيا المنطقة.
فالمخيبة التحتا تبدو فوق، والمخيبة الفوقا تبدو تحت!
لا تبحث عن تفسير سياسي للأمر، ولا عن مؤامرة جغرافية جديدة؛ إنها ببساطة ترتيبات المكان كما صنعتها الطبيعة والخرائط، وربما أراد أهل المنطقة أن يتركوا لنا شيئاً من الحيرة الجميلة.
لكن المكان لا يمنحنا وقتاً طويلاً للسخرية من الأسماء.
الحمة.. ذاكرة الماء
نواصل الطريق حتى نصل إلى الحمة الأردنية؛ ذلك المكان الذي كان يوماً واحداً من أجمل محطات الماء والاستشفاء والذاكرة في شمال الأردن.
الحمة ليست مجرد مياه معدنية.
إنها جزء من ذاكرة المكان.
كنا يومها طلاباً في المرحلة الإعدادية، نأتي إلى الحمة في رحلات مدرسية. كنا نصل إليها بعيون الأطفال، لا نعرف كثيراً عن الجغرافيا والحدود، ولا ندرك أن المكان الذي نركض في ساحاته ونقترب من مياهه سيصبح بعد سنوات جزءاً من ذاكرتنا.
وكان أهل دمشق يأتون إليها أيضاً، يعبرون المسافة طلباً للعلاج، ويجدون في مياهها المعدنية أملاً بالشفاء وراحة للجسد. كانت الحمة آنذاك مكاناً يعج بالحياة؛ أردنيون وسوريون يلتقون عند الماء، وكأن الحدود التي نعرفها اليوم لم تكن قادرة على منع الناس من الوصول إلى المكان الذي أحبوه.
كان الناس يأتون إليها طلباً للماء الدافئ، وللعافية، ولجلسة هادئة بعيداً عن ضجيج المدن. وكانت البرك المائية المعدنية جزءاً من المشهد، وكان المكان يعرف زواره كما تعرف البيوت القديمة أسماء أهلها.
لكن الزمن لا يحفظ كل شيء.
آلت الحمة إلى الخراب، بعد أن انتقلت إلى مستثمر، وردمت بركها المائية المعدنية، ومن بينها بركة المقلى التي كانت من أبرز معالم المكان.
وإلى جانب المقلى، رُدمت برك أخرى كانت تسكن ذاكرتنا بأسمائها قبل مياهها؛ البلسم، والريح.. أسماء ما زالت عالقة في ذاكرة الذين عرفوا الحمة في أيامها القديمة، حين كانت المياه جزءاً من المكان، والمكان جزءاً من طفولتنا.
أما البركة الكبيرة، فلم يبقَ منها سوى الجفاف والأتربة، وبقايا شجرة متساقطة، كأن المكان نفسه يحاول أن يتذكر كيف كان ذات يوم.
وهنا يصبح الخراب أكثر إيلاماً.
ليس لأن حجارةً سقطت، ولا لأن طريقاً تهالك، وإنما لأن بعض الأمكنة حين نفقد تفاصيلها نفقد معها جزءاً من ذاكرتنا.
كنت أتأمل المكان وأفكر: كيف يمكن لبركة ماء أن تكون جزءاً من ذاكرة شعب؟
ربما لأن الماء لا يكون ماءً فقط.
إنه وجوه الذين جلسوا حوله، وأحاديثهم، وضحكات الأطفال، وملابس الصيف، وحرارة الشمس، ورائحة الأرض حين تلامسها المياه المعدنية.
المكان الذي تُردم بركته لا يُردم الماء وحده؛ أحياناً يُردم مشهد كامل من الذاكرة.
هذه حكاية تسكن فينا.
حكاية طفولة، ورحلات مدرسية، ووجوه سورية جاءت تبحث عن العلاج، ومياه كانت تجمع الناس قبل أن تفرقهم الخرائط.
جسر من زمن آخر
نغادر الحمة، لكن المكان لا ينتهي عندها.
نتوقف قليلاً عند جسر عثماني قديم، كان جزءاً من سكة الحديد التي تصل فلسطين بالأردن وسوريا. جسر من حجارة وقوس، يحمل في صمته حكاية قطارات وناس كانوا يعبرون المكان قبل أن تصبح الحدود أكثر قسوة، وقبل أن تتغير خرائط المنطقة.
كان الجسر قد دُمّر بالكامل بضربة صاروخية خلال إحدى حروب المنطقة؛ حرب قديمة، ربما قبل عام 1967، هكذا يقول المكان أكثر مما تقول الذاكرة.
وقفت أمام بقاياه طويلاً.
أشعلت سيجارة، وأسندت يدي إلى خدي، وظللت أحدق في الحجارة الصامتة.
كانوا هنا ذات يوم.
مرّوا من هنا، وربما لم يخطر ببال أحد منهم أن هذا الجسر الذي يحمل خطواتهم وعرباتهم سيصبح يوماً أثراً مهدماً، وأن المكان نفسه سيقف شاهداً على زمن تبدّل فيه كل شيء.
وبينما أنا غارق في تلك اللحظة، اقترب مني أحد أفراد حرس الحدود الأردنية، وطلب مني ألا أطيل الوقوف.
امتثلت للأمر، وشكرته، ومضيت.
لكنني وأنا أبتعد، التفتُّ مرة أخرى إلى الجسر.
بعض الأماكن لا تحتاج إلى أن تبقى كاملة كي تحكي.
يكفي أن تبقى منها حجارة وقوس مكسور، لكي تقول لنا إن أناساً كانوا هنا ذات يوم، وإن للطرق ذاكرة، وللجسور ذاكرة، وللحجارة أيضاً ذاكرة.
بنادق في قاع الوادي
وهنا توقفت قليلاً.
فعلى يسار الطريق الملتوي مثل أفعى الكوبرا، توقفت مرة أخرى. نظرت نحو الشمال، إلى يسار الطريق تماماً، فإذا بي أمام مشهد لم أكن أتوقعه.
بنادق مغروسة في الأرض، وخوذات معدنية، لم يتجاوز عددها سبعاً.
دهشت من المشهد.
كان في قاع الوادي الذي تحتي شيء من الهيبة والصمت؛ بنادق صامتة، وخوذات بلا رؤوس، لكنها تقول أكثر مما تستطيع الكلمات أن تقوله.
عرفت فيما بعد أن هذه البنادق والخوذات لشهداء أردنيين وفلسطينيين اشتبكوا في هذا المكان مع القوات الإسرائيلية في معركة قديمة.
لم يبقَ من أولئك الرجال إلا أثر.
بندقية مغروسة في التراب، وخوذة بقيت شاهدة، ووادي يحتفظ بصدى معركة مرّت من هنا ذات يوم.
وقفت أتأمل المشهد، وفكرت أن الأشياء أحياناً تكون أكثر وفاءً للذاكرة من البشر.
بنادقهم وخوذاتهم ما زالت هنا، تقول للمارة إن رجالاً أردنيين وفلسطينيين وقفوا معاً في هذا المكان، وأن الأرض احتفظت بأثر ملحمة نضالية جمعتهم في مواجهة واحدة.
نمضي بعد ذلك، لكن المشهد لا يمضي معنا.
يبقى خلفنا، مغروساً في الأرض مثل تلك البنادق، ومعلّقاً في الذاكرة مثل تلك الخوذات.
فلسطين.. أقرب من الكلام
ومن هناك، يبدو المشهد أكثر اتساعاً.
فأنت في بقعة صغيرة من الأردن، لكن عينك تستطيع أن تذهب بعيداً.
إلى فلسطين.
إلى سوريا.
إلى النهر.
إلى الجبال.
وإلى تاريخ طويل لم تستطع الحدود أن تمنعه من العبور.
هنا تفهم أن الحدود، مهما كانت حادة على الخرائط، ليست دائماً كذلك في الذاكرة.
النهر يجري.
والجبل يبقى.
والقرى تنام وتصحو.
والناس يواصلون حياتهم.
أما الخرائط، فتتغير أحياناً.
والأعلام تُرفع.
والحدود تُرسم.
لكن المكان يحتفظ بشيء لا تستطيع السياسة أن تمحوه بسهولة:
ذاكرة الأرض.
نقف طويلاً عند الحافة.
لا نحتاج إلى منظار كي نرى فلسطين.
إنها هناك.
قريبة إلى درجة أن العين تستطيع الوصول إليها قبل القدم.
وبيننا وبينها نهر وجبل وحدود وحكاية طويلة.
ثم نعود أدراجنا، تاركين وراءنا الحمة والمخيبتين وقناة الغور والنهر والجسر والحجارة والبنادق.
لكن شيئاً من المكان يبقى معنا.
ربما صورة لعلم بعيد.
وربما ماء لم يعد موجوداً.
وربما جسر مكسور.
وربما بندقية ما زالت مغروسة في الأرض.
وربما سؤال بسيط لا يغادرنا:
كيف يستطيع المكان أن يبقى حياً، حتى حين يحاول الإنسان أن يردم ذاكرته؟
(تذييل:الحمة الأردنية تقع أقصى شمال غرب محافظة اربد بمحاذاة الشريط الحدودي مع فلسطين المحتلة)