العموم نيوز: لا يقيس علي محسني، وهو إيراني يقيم في طهران، تأثير الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على بلاده بعدد الصواريخ أو باتساع رقعة المعارك، وإنما بمدى قدرته على تأمين أقلام الأنسولين التي تحتاج إليها والدته البالغة من العمر 74 عاماً كل يوم.
يقول محسني، البالغ 32 عاماً، لوكالة ” كيودو ” اليابانية ، إن عبوة الأنسولين التي تحتوي على خمسة أقلام كانت متوفرة قبل اندلاع الحرب في معظم الصيدليات، لكن سعرها ارتفع منذ ذلك الحين إلى أكثر من ثلاثة أضعاف، فيما تراجعت الإمدادات إلى مستويات جعلته يضطر أحياناً إلى زيارة عدة صيدليات قبل العثور عليها.
ويضيف: «لا يمكنها ببساطة التوقف عن تناول الدواء، فالأنسولين بالنسبة لها دواء أساسي لا غنى عنه للبقاء على قيد الحياة».
وتحول نقص الأدوية في إيران خلال الحرب إلى أزمة متصاعدة، بفعل تداخل عوامل عدة، بينها اضطراب حركة الشحن البحري، والعقوبات، والتضخم، والانخفاض الحاد في قيمة الريال، فضلاً عن الأضرار التي لحقت مباشرة بمنشآت القطاع الدوائي.
وقال وزير الصحة الإيراني محمد رضا ظفرقندي إن 16 مصنعاً للأدوية وأكثر من 70 مستشفى تعرضت لهجمات منذ بدء الحرب، واصفاً تلك الضربات بأنها انتهاك للقواعد الإنسانية.
ومن بين المنشآت المتضررة شركة «توفيق دارو» للأبحاث والهندسة، ومقرها طهران، والتي تنتج المواد الدوائية الفعالة المستخدمة في تصنيع عدد من الأدوية، بينها علاجات للسرطان والتصلب المتعدد.
وبحسب الشركة، أصابت ثلاثة صواريخ مبناها الرئيسي في 31 مارس/آذار، ما أدى إلى تضرر مختبراتها ومركز البيانات ومنشآت الإنتاج ومناطق التخزين.
وقال الرئيس التنفيذي للشركة نافيد نوبخت إن الهجوم تسبب في تعطيل جزء مهم من عملياتها، معتبراً أن الهدف كان عرقلة إنتاج أدوية متخصصة وزيادة صعوبة حصول المرضى عليها. وأضاف: «كنا ننتج الأدوية للمرضى فحسب»، مشيراً إلى أن الشركة تمكنت لاحقاً من استئناف إنتاج الأدوية نفسها في مواقع أخرى، رغم الصعوبات التي واجهتها خلال الأشهر الماضية.
الشحن يضاعف الأزمة
ولم تقتصر تداعيات الحرب على الأضرار المباشرة التي لحقت بالمصانع، إذ أدت اضطرابات التجارة البحرية والقيود المفروضة على حركة الشحن إلى تعقيد عملية استيراد المواد الخام الدوائية.
ويقول مسؤولون إيرانيون إن ظروف الحرب والحصار البحري الأمريكي جعلا وصول المواد الخام أكثر صعوبة، خصوصاً من موردين رئيسيين مثل الهند والصين.
ورغم إعفاء الأدوية والسلع الإنسانية رسمياً من العديد من العقوبات، تواجه الشركات الإيرانية عقبات في تحويل الأموال إلى الموردين الأجانب، والحصول على التأمين، وترتيب عمليات الشحن.
وأوضح ظفرقندي أن الهند لم ترسل مواد خام دوائية إلى إيران بحراً خلال فترة الحرب، ما دفع طهران إلى الاعتماد بدرجة أكبر على النقل الجوي.
وتكمن المشكلة في فارق القدرة الاستيعابية؛ إذ يمكن لسفينة شحن واحدة نقل آلاف الأطنان من المواد الخام، بينما لا تتجاوز حمولة الطائرة الواحدة نحو 20 إلى 40 طناً، ما أدى إلى تراجع حاد في حجم الإمدادات وارتفاع تكاليف نقلها.
وفي الوقت نفسه، أدى التضخم وانخفاض قيمة الريال إلى رفع تكلفة المواد الخام المستوردة والمعدات ومواد التعبئة والتغليف والنقل، وهو ما انعكس على المصنعين والموزعين والصيدليات، وصولاً إلى المرضى.
وتثير هذه التطورات مخاوف متزايدة بشأن قدرة المرضى المصابين بأمراض مزمنة، خصوصاً مرضى السرطان والسكري وكبار السن، على تأمين أدويتهم بصورة منتظمة، في وقت يمكن أن يؤدي فيه ارتفاع الأسعار أو انقطاع الإمدادات إلى مضاعفة معاناتهم.
بالنسبة إلى محسني، تبدو الأزمة أكبر من مجرد نقص دواء في الصيدليات، فهي تمس حياة ملايين الإيرانيين الذين لا يملكون ترف الانتظار حتى تنتهي الحرب.
ويقول: «من منظور إنساني، إنه لأمر مؤلم للغاية رؤية الناس في مثل هذا الوضع»، معرباً عن أمله في أن تعطي السلطات الإيرانية الأولوية للمفاوضات وأن تتخذ خطوات لاستعادة الحياة الطبيعية.
ويختصر محسني موقفه بجملة تختزل معاناة كثير من المدنيين: «لا ينبغي أن يدفع عامة الناس ثمن الصراعات السياسية. نريد ببساطة أن نتمكن من عيش حياة طبيعية».