أبو ظبي: محمد الطّورة
راعني، خلال وجودي قبل أيام في رحلة عمل بدولة الإمارات العربية المتحدة، مشهد كبار قادة الأجهزة العسكرية والأمنية وهم يجلسون بين المواطنين، ويشاركون أسر شهداء الواجب من مكلفي خدمة العلم واجب العزاء والمواساة، إثر حادث السير الذي أودى بحياتهم، وانتقلوا إلى رحمة الله تعالى.
وزادت سعادتي وأنا أستمع إلى كلمات التقدير والإطراء من بعض الزملاء في الوسط الإعلامي، وهم يتحدثون عن هذه اللفتة الإنسانية، وما رافقها من أحاديث صادقة ونابعة من القلب، وعن مشهد القادة وهم يجلسون بين المواطنين، دون مظاهر استعراضية أو حواجز توحي بمسافة من الخوف والرهبة.
لم يكن المشهد، في تقديري، مجرد أداء لواجب اجتماعي، وإنما صورة تختزل معنى أعمق للعلاقة بين الدولة الأردنية والمواطن، وتستحق أن نتوقف عندها، لا للمجاملة، بل لما تحمله من دلالات إنسانية ووطنية.
ففي الأردن، لا يُنظر إلى الوقوف إلى جانب أهل المصاب بوصفه واجبًا اجتماعيًا فحسب، بل باعتباره جزءًا من منظومة القيم التي تشكلت عليها العلاقة بين أبناء المجتمع، وبين القيادة والشعب.
لكن حين يصل كبار قادة المؤسسات العسكرية والأمنية إلى بيوت أسر فقدت أبناءها أثناء أداء خدمة العلم، فإن المشهد يكتسب دلالة إضافية.
فالشباب الذين أدوا واجبهم لم يكونوا مجرد أرقام في سجلات مؤسسة، بل أبناء أسر، لهم آباء وأمهات وبيوت تنتظر عودتهم. وعندما تصل قيادات المؤسسات التي خدموا فيها إلى تلك البيوت، فإنها تؤكد، بالفعل لا بالقول وحده، أن الواجب لا ينتهي عند حدود المهمة، وأن الإنسان يظل حاضرًا في وجدان المؤسسة حتى بعد رحيله.
قد يقول قائل إن تقديم العزاء واجب، وهذا صحيح. لكن بعض الواجبات لا تُقاس بمجرد أدائها، بل بالطريقة التي تؤدّى بها، وبالأثر الذي تتركه في نفوس من يتلقونها.
أن يصل المسؤول بنفسه إلى بيت الفقيد، وأن يجلس أمام أبٍ مكلوم وأم ثكلى، وأن يشارك الأسرة لحظة لا تُنسى من حياتها، هو أمر يتجاوز البروتوكول إلى معنى إنساني يرسخ في الذاكرة.
نهج ملكي وخصوصية أردنية
ولعل ما يزيد هذه المشاهد أهمية أنها تأتي في سياق خصوصية أردنية راسخة، تقوم على قرب القيادة من المواطنين، ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم.
وهو نهج دأب جلالة الملك عبدالله الثاني على ترسيخه، سواء بحضوره الشخصي بين أبناء شعبه، أو من خلال رئيس الديوان الملكي، الذي ينقل اهتمام جلالته ومواساته إلى بيوت المواطنين.
ومن هنا، يمكن النظر إلى حضور كبار قادة الأجهزة العسكرية والأمنية بين الناس باعتباره امتدادًا لهذا النهج واقتداءً به؛ فالقرب من المواطن ليس موقفًا موسميًا، بل قيمة في ممارسة المسؤولية، ودليلًا على أن الدولة لا تنفصل عن المجتمع الذي تخدمه.
إن الدولة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من مؤسسات وقوانين، وإنما أيضًا بكيفية حضورها في حياة مواطنيها، ولا سيما حين تضيق بهم سبل الاحتمال، ويصبح التعاطف الإنساني أبلغ من كل خطاب.
الهيبة والثقة
المؤسسات العسكرية والأمنية لها خصوصيتها، وتتحمل مسؤوليات تفرض مقتضيات أمنية لا يمكن تجاهلها. لكن الخصوصية الأمنية لا ينبغي أن تتحول إلى عزلة اجتماعية، ولا أن تصبح الحواجز أكثر اتساعًا من الحاجة التي تبررها.
فالهيبة لا تُبنى بالابتعاد وحده، كما أن القرب لا ينتقص بالضرورة من مكانة المسؤول.
بل إن المسؤول الذي يستطيع أن يجلس بين المواطنين بثقة، وأن يستمع إليهم دون أن يرى في كل كلمة تهديدًا، يقدم نموذجًا لعلاقة أكثر نضجًا بين الدولة والمجتمع.
والمواطن الأردني، بطبيعته، قد يختلف وينتقد ويعترض، لكن الاختلاف لا يجعله خصمًا، والنقد لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خطرًا.
وهنا تبرز رسالة تتجاوز المناسبة نفسها، لتصل إلى كبار المسؤولين في مختلف مؤسسات الدولة: الانفتاح على أبناء الوطن، والاستماع إلى ملاحظاتهم، وإبقاء أبواب الحوار مفتوحة، ينبغي أن تكون نهجًا دائمًا، لا استجابة تفرضها مناسبة عابرة.
فإذا كان المسؤول قادرًا على الاقتراب من الناس في لحظة الحزن، فإن الأجدر أن يظل قريبًا منهم في الأيام العادية أيضًا؛ يستمع إلى مشاغلهم، ويتفهم ملاحظاتهم، ويتيح لهم التعبير عن آرائهم دون خوف أو حواجز غير مبررة.
ليس المقصود إلغاء مقتضيات الأمن أو التقليل من شأن المسؤولية، وإنما التمييز بين ما تفرضه الضرورة، وما قد تصنعه العادة من مسافات يمكن تضييقها.
درس للجميع
إن الصورة التي رأيتها تستحق أن تُقرأ باعتبارها درسًا للجميع، لا مجرد موقف يستحق الإشادة.
فالدولة التي تقف إلى جانب أبنائها في أوقات الفقد، تؤكد أن العلاقة معها ليست محكومة بالقرارات والتعليمات وحدها، وإنما تقوم أيضًا على الاعتراف بالإنسان، ومشاركته آلامه، واحترام مشاعره.
والقادة الذين يصلون إلى بيوت العزاء لا يقدمون مواساة لأسر بعينها فحسب، بل يرسلون رسالة إلى كل شاب يؤدي خدمة العلم، وإلى كل أسرة ترسل ابنها لأداء واجبه: أن هذا الابن ليس رقمًا، وأن المؤسسة التي خدم فيها لا تنظر إليه بوصفه مجرد عنصر في منظومة عمل.
لكن الرسالة الأوسع ينبغي أن تكون أن القرب من المواطنين لا يُختزل في بيوت العزاء، وأن الثقة لا تُبنى في المناسبات وحدها، بل في التواصل اليومي، وفي قدرة المؤسسات على سماع الناس والتعامل مع اختلافهم باعتباره جزءًا طبيعيًا من المجتمع.
فالمسؤولية العامة لا تكتمل بإصدار القرار، وإنما تشمل أيضًا الإصغاء إلى من يتأثر به، وفهم مشاغله، وإدراك أن المواطن شريك في بناء الدولة، وليس مجرد متلقٍ لتوجيهاتها.
إن ما قام به كبار قادة المؤسسات العسكرية والأمنية من حضور ومواساة وزيارة لأسر المتوفين والمصابين، صورة تستحق التقدير، لما تحمله من معنى إنساني، ولما تعكسه من امتداد لنهج ملكي يقوم على القرب من المواطنين والوقوف إلى جانبهم.
وإذا كان هذا المشهد قد كشف جانبًا مشرقًا من العلاقة بين المؤسسة والمجتمع، فإن الأمل أن يظل الانفتاح على أبناء الوطن حاضرًا في كل الأوقات، وأن تتسع مساحات الحوار والاستماع، وأن يشعر المواطن أن الاقتراب من مؤسسات دولته ليس أمرًا استثنائيًا.
فالقوة ليست في المسافة وحدها، والهيبة لا تتعارض مع الإنسانية، والأمن لا يقتصر على الحماية والحراسة، بل يشمل أيضًا الطمأنينة التي يشعر بها المواطن حين يرى أن دولته قريبة منه، تسمعه وتحترمه وتقف إلى جانبه.
وهنا تكمن خصوصية الأردن: في علاقة تتجلى فيها الدولة، برجالها ومؤسساتها، بين أهلها، لا فوقهم.