ليست كل المؤتمرات الحزبية مجرد مواعيد على أجندة السياسة، وبعضها يأتي في لحظة يصبح فيها السؤال أهم من الحدث نفسه.
وقد تلقيت دعوة لحضور المؤتمر العام لحزب الأمة، بصفتي صحفياً ومتابعاً للشأن العام، وهي مناسبة أتعامل معها من موقع الصحفي الذي يراقب المشهد، ويقرأ ما وراء الكلمات، ويتابع تحولات الحياة السياسية والحزبية في الأردن.
وحين نتحدث عن حزب الأمة، جبهة العمل الإسلامي سابقاً، الذي سيعقد مؤتمره العام (غدا السبت) فإننا نتحدث عن حزب له حضور ممتد في الحياة السياسية الأردنية، وارتبط اسمه بمحطات سياسية ونيابية عديدة.
وفي عرف الشارع الأردني، ظل هذا الحزب يُنظر إليه بوصفه من أكثر الأحزاب حضوراً وعمقاً وتجذراً وتاريخاً وتنظيما في الحياة السياسية، وهو توصيف يرتبط بما راكمه من تجربة تنظيمية وانتخابية وحضور في الشأن العام..ومصداقية إرتبطت بالحزب ضمن الهوامش المتاحة .
ومن هنا تأتي أهمية المؤتمر العام لحزب الأمة في هذه المرحلة.
فالمؤتمر لا يأتي في ظرف سياسي عادي، بل بعد انتقال الحزب من اسم جبهة العمل الإسلامي إلى حزب الأمة، في إطار مرحلة تنظيمية وسياسية جديدة.
لكن تغيير الاسم، مهما كانت أسبابه القانونية والتنظيمية، يفتح بالضرورة أسئلة أكبر من الاسم نفسه.
ماذا بعد؟
ماذا يريد حزب الأمة أن يقول للأردنيين في مرحلته الجديدة؟
وهل ستكون المرحلة المقبلة مجرد استكمال للمسار السابق تحت اسم جديد، أم أنها ستشهد تطويراً في الخطاب والأدوات والأولويات؟
هذه الأسئلة لا تخص الحزب وحده، وإنما تعني المشهد الحزبي الأردني برمته.
فالمواطن اليوم يريد من الأحزاب أكثر من المؤتمرات والبيانات والخطابات. يريد برامج تلامس حياته، وتتعامل مع الاقتصاد والعمل والتعليم والصحة والخدمات، إلى جانب القضايا الوطنية والسياسية الكبرى.
والحزب الذي يمتلك تاريخاً وحضوراً بهذا الحجم يجد نفسه أمام مسؤولية أكبر؛ لأن التاريخ السياسي لا يكفي وحده لصناعة المستقبل.
التحدي الحقيقي أمام حزب الأمة لن يكون في المحافظة على ما راكمه من حضور، وإنما في قدرته على تحويل هذا الرصيد إلى مشروع سياسي جديد.
فالأجيال تتغير، والأسئلة تتغير، وأولويات الأردنيين اليوم ليست بالضرورة هي نفسها التي كانت قبل عقدين أو ثلاثة.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى حزب يعرف تاريخه، لكنه لا يعيش عليه؛ ويحترم تجربته، لكنه يفتح أبوابه للمستقبل؛ ويحافظ على هويته، وفي الوقت نفسه يمتلك القدرة على مخاطبة جيل جديد بلغة سياسية يفهمها ويثق بها.
وهنا يصبح المؤتمر العام فرصة للمراجعة بقدر ما هو مناسبة للانتخاب والتنظيم.
فرصة لأن يسأل الحزب نفسه قبل أن يسأله الآخرون:
ماذا يريد الأردني من حزب الأمة؟ وماذا يستطيع الحزب أن يقدم في المرحلة المقبلة؟
فالحياة الحزبية لا تُبنى بالأسماء وحدها، ولا بالهياكل التنظيمية وحدها، وإنما بقدرة الأحزاب على الاقتراب من الناس، والاستماع إلى أسئلتهم، وتقديم برامج واقعية، والمشاركة في صناعة القرار العام بمسؤولية ووضوح.
والأردن يحتاج إلى أحزاب فاعلة وقادرة على تقديم الأفكار والبدائل، وإلى حياة سياسية يكون فيها الاختلاف مشروعاً، والنقاش ممكناً، والمنافسة على البرامج لا على الشعارات فقط.
ومن هنا، فإن مؤتمر حزب الأمة سيكون مناسبة للحزب أولاً، لكنه في الوقت نفسه محطة من محطات المشهد الحزبي الأردني كله.
فالأنظار لن تتجه فقط إلى من سيتولى المواقع القيادية، وإنما إلى ما سيحمله الحزب معه إلى المرحلة المقبلة.
فالسياسة تبدأ بالكلام، لكنها لا تُقاس بالكلام.
والمؤتمرات تنتهي في يوم، أما الاختبار الحقيقي فيبدأ في اليوم التالي.
فماذا بعد المؤتمر؟
ذلك هو السؤال الذي سيبقى مفتوحاً أمام حزب الأمة، وأمام الحياة الحزبية الأردنية بأكملها.