لندن: محمد الطّورة
من مكان إقامتي في لندن، وبصفتي ناشراً لموقع العموم نيوز الذي يصدر من العاصمة البريطانية، وجدتني أعود بالذاكرة سنوات إلى الوراء، وأنا أتابع قبل أيام قليلة المقابلة الصحفية التي أجراها الصحفي سمير الحياري مع سمو الأميرة بسمة بنت طلال. فقد أعادتني هذه المقابلة إلى حوار صحفي آخر ما زالت تفاصيله حاضرة في الذاكرة، ذلك الذي أجراه الصحفي والإعلامي نايف الطورة مع دولة رئيس الوزراء الأسبق زيد الرفاعي، رحمه الله.
لم تكن عودة الذاكرة هذه مجرد مقارنة بين مقابلتين تفصل بينهما سنوات، وإنما كانت استعادة لمعنى الصحافة التي عرفناها، صحافة كان الوصول فيها إلى شخصية سياسية بحجم زيد الرفاعي فرصة لا تتكرر كثيراً، وكان تحويل ذلك اللقاء إلى مادة صحفية مؤثرة يحتاج إلى أكثر من مجرد إعداد مجموعة من الأسئلة. كان يحتاج إلى صحفي يعرف من يجلس أمامه، ويدرك قيمة الكلمة التي يمكن أن تخرج منه، ويعرف كيف يقود الحوار دون أن يطغى عليه.
كان زيد الرفاعي، أو أبو سمير كما عرفه الأردنيون، من الشخصيات السياسية التي لم تكن كثيرة الظهور في المقابلات الصحفية، وقد ارتبط اسمه بلقب «الحكيم»، وهو لقب لم يكن عابراً في مسيرته السياسية. فقد كان رجل دولة عاصر مراحل مهمة من تاريخ الأردن، وعرف السياسة من داخلها، وكان قريباً من الراحل الملك الحسين بن طلال، رحمه الله، ورفيقاً لمسيرة سياسية طويلة، الأمر الذي جعل الحديث معه مختلفاً عن الحديث مع أي شخصية سياسية أخرى.
ولهذا لم يكن من السهل أن يجلس صحفي أمامه ويدير حواراً يتناول الشأن الأردني الداخلي، والسياسة الخارجية، والقضايا الإقليمية والدولية. فمثل هذه الشخصية تعرف جيداً ماذا تقول، ومتى تقول، وما الذي يمكن أن تتركه مفتوحاً للتأويل. ومن هنا ظهرت براعة نايف الطّورة في إدارة المقابلة؛ فقد استطاع أن يطرح الأسئلة دون أن يفقد الحوار هدوءه، وأن ينتقل بين الملفات دون أن يشتت الضيف أو القارئ، وأن يمنح زيد الرفاعي المساحة التي يحتاجها ليقول ما يريد، وفي الوقت ذاته يحافظ على جوهر الحوار وحق القارئ في المعرفة.
ولعل ما جعل تلك المقابلة مختلفة أن القارئ لم يتعامل معها باعتبارها مجموعة من الأسئلة والأجوبة تنتهي بانتهاء القراءة. لقد حاول كثيرون أن يقرأوا ما بين كلمات الرفاعي، وأن يتوقفوا عند بعض عباراته ونبرته وإيماءاته، وأن يفهموا ما أراد الرجل قوله وما اختار أن يتركه دون قول. وهنا تحديداً تكمن قيمة الصحافة عندما تكون مهنة حقيقية؛ فالصحفي المتمكن لا يقدم الإجابة فقط، وإنما يمنح القارئ فرصة للتفكير فيما وراء الإجابة.
ومن هذه الذاكرة القديمة انتقلت، وأنا أتابع مقابلة سمير الحياري مع سمو الأميرة بسمة بنت طلال، إلى صورة أخرى من الصحافة التي تعرف قيمة الفرصة. فسمو الأميرة بسمة ليست مجرد شخصية هاشمية معروفة، وإنما صاحبة تجربة طويلة في العمل العام والإنساني والاجتماعي، وعاصرت مراحل ومحطات مهمة من تاريخ الأردن والمنطقة، ولذلك فإن الحوار معها يمثل فرصة صحفية ذات قيمة، لكن قيمة الفرصة لا تكتمل إلا بقدرة الصحفي على استثمارها.
وهنا وجدت أن هناك خيطاً يجمع بين المقابلتين، رغم اختلاف الزمن والضيف والظروف. فالطورة، قبل سنوات، استطاع أن يصل إلى «الحكيم» زيد الرفاعي، وأن يفتح معه حواراً جعل القراء يتوقفون عنده، والحياري، اليوم، استطاع أن يصل إلى سمو الأميرة بسمة بنت طلال، وأن يضع أمام القارئ تجربة شخصية لها مكانتها في الذاكرة الأردنية.
ليست المسألة، في النهاية، مسألة أسماء كبيرة يجلس أمامها الصحفي لالتقاط صورة أو الحصول على تصريح. الشخصيات الكبيرة لا تصنع المقابلات وحدها، كما أن شهرة الضيف لا تضمن نجاح الحوار. الذي يصنع الفرق هو الصحفي؛ معرفته، وحضوره، وقدرته على اختيار السؤال، وفهمه للشخصية التي أمامه، وذكاؤه في إدارة اللحظة.
وهذا ما يجعل الحديث عن الطورة والحياري حديثاً عن أكثر من مقابلتين. إنه حديث عن مدرسة صحفية آمنت بأن الصحافة ليست مجرد ملاحقة للخبر المتاح للجميع، وإنما الوصول إلى ما يصعب الوصول إليه، والاقتراب من الشخصيات المؤثرة، وطرح الأسئلة التي تفتح للقارئ نافذة جديدة على الشخصية والحدث والمرحلة.
لقد تغيرت الصحافة كثيراً منذ مقابلة الطورة مع زيد الرفاعي. تغيرت الأدوات، وتسارعت وسائل النشر، وأصبح الخبر يصل إلى القارئ في اللحظة نفسها التي يقع فيها الحدث. لكن قيمة الصحفي لم تتغير، بل ربما أصبحت أكثر أهمية. ففي زمن يستطيع فيه أي شخص أن يعيد نشر الخبر، تبقى الحاجة إلى الصحفي الذي يستطيع أن يصنع حواراً أصيلاً، ويقدم مادة لا تنتهي قيمتها بعد ساعات من نشرها.
فالخبر العابر قد يعيش يوماً أو يومين، أما الحوار الجيد فقد يبقى سنوات، وقد يعود إليه القارئ كلما أراد أن يفهم شخصية أو مرحلة أو موقفاً. ولهذا كانت مقابلة الطورة مع زيد الرفاعي، ومقابلة الحياري مع سمو الأميرة بسمة، مثالين على أن الصحافة تستطيع أن تتجاوز وظيفتها اليومية لتصبح جزءاً من الذاكرة.
ومن لندن، وأنا أستعيد تلك المقابلة القديمة وأتابع الحوار الجديد، بدا لي أن المسافة الزمنية بين الطورة والحياري ليست مسافة انقطاع، وإنما امتداد لمدرسة واحدة؛ مدرسة ترى في الحوار الصحفي أكثر من مجرد مادة للنشر، وترى في السؤال مفتاحاً، وفي الإجابة وثيقة، وفي المقابلة فرصة لتوثيق شيء من تاريخ الناس والشخصيات والوطن.
هذه هي الصحافة التي نريدها، الصحافة التي تحترم القارئ وتحترم الضيف وتحترم المهنة في الوقت نفسه، صحافة لا تخشى الشخصيات الكبيرة، ولا تكتفي بالسطح، ولا تبحث عن الإثارة لمجرد الإثارة، وإنما تعرف كيف تصل، وكيف تسأل، وكيف تنصت، وكيف تجعل من الحوار مادة تستحق أن تبقى.
ولهذا فإن نايف الطورة وسمير الحياري لا يلتقيان فقط عند مهنة واحدة، وإنما يلتقيان عند فكرة أوسع: أن الصحفي الحقيقي لا ينتظر الخبر دائماً، بل يعرف أين يمكن أن يصنعه، وأن أعظم سبق ليس أن تكون أول من ينشر، وإنما أن تقدم للقارئ شيئاً لا يستطيع أن يحصل عليه من أي مكان آخر.
ليس كل من أمسك القلم صحفياً، وليس كل من جلس أمام الميكروفون إعلامياً أو محاوراً. فالصحافة ليست في القلم وحده، والإعلام ليس في الميكروفون، وإنما في المعرفة، وحسن السؤال، والقدرة على الإصغاء، وفهم الشخصية التي تجلس أمامك، ثم تحويل ذلك كله إلى مادة تحترم عقل القارئ وتبقى في ذاكرته.
فالصحفي قد ينقل الخبر، وقد يصنع الخبر، لكنه في لحظاته الأهم يصنع شيئاً أبقى من الخبر نفسه: يصنع ذاكرة.