بقلم: المحرر السياسي والإقتصادي
من الصعب أن يمرّ المشهد العربي ـ الصيني الأخير من دون التوقف عند توقيت الزيارات وتسلسلها. فقد جاءت زيارة الدولة التي قام بها الملك عبدالله الثاني إلى الصين في آب/أغسطس في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، ثم تلتها زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر، وصولاً إلى زيارة رئيس الوزراء القطري إلى بكين.
هل نحن أمام مجرد زيارات دبلوماسية متفرقة؟ أم أن المنطقة تشهد بالفعل بداية مرحلة جديدة في علاقتها مع الصين؟
ربما من المبكر الحديث عن تحالف عربي ـ صيني، لكن من الواضح أن شيئاً يتحرك في العلاقة بين الطرفين، وأن السياسة بدأت تأخذ مساحة أكبر إلى جانب الاقتصاد.
زيارة الملك… أكثر من علاقة اقتصادية
العلاقات الأردنية ـ الصينية ليست جديدة، فهي تمتد لعقود، وتطورت خلال السنوات الماضية إلى شراكة استراتيجية. لكن أهمية زيارة الملك عبدالله الثاني الأخيرة أنها جاءت في توقيت مختلف، وحملت إلى بكين ملفات تتجاوز الاستثمار والتجارة إلى الأمن الإقليمي، والقضية الفلسطينية، وغزة، والاستقرار في المنطقة، والعلاقات الدولية.
وهنا تحديداً يمكن فهم أهمية الزيارة.
فالملك لم يذهب إلى الصين باعتبارها سوقاً اقتصادية فحسب، وإنما باعتبارها قوة دولية أصبح من الضروري أن يكون معها حوار سياسي مباشر حول مستقبل المنطقة.
وبصفتي مواطناً أردنياً، أشعر بالفخر بما يمثله الأردن وما يحظى به قائده الملك عبدالله الثاني من تقدير على المستوى الإقليمي والدولي، خصوصاً للدور الذي يضطلع به الأردن في قضايا المنطقة، رغم محدودية موارده مقارنة بدول أكبر وأكثر ثراءً.
الأردن… قوة سياسية تتجاوز حجمه
الأردن ليس دولة نفطية ضخمة، ولا يمتلك القوة الاقتصادية للسعودية أو قطر، ولا الموقع الجغرافي لمصر.
لكنه يمتلك شيئاً آخر: رأس مالاً سياسياً ودبلوماسياً.
فالأردن على تماس مباشر مع أهم ملفات المنطقة: فلسطين والقدس، وسوريا والعراق، وأمن الخليج، والعلاقات مع إيران، فضلاً عن علاقاته التاريخية والوثيقة مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج.
وهذا يمنح عمّان قدرة على التواصل مع دوائر سياسية مختلفة، ويجعلها في كثير من الأحيان جسراً بين أطراف يصعب أن تجتمع مباشرة.
ومن هنا يمكن قراءة تحرك الملك نحو بكين باعتباره جزءاً من سياسة أردنية تقوم على توسيع العلاقات الدولية وعدم حصرها في اتجاه واحد.
ثم جاء التحرك الصيني إلى القاهرة
بعد زيارة الملك بفترة قصيرة، جاءت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر، وهي زيارة حملت دلالات سياسية واقتصادية مهمة.
القاهرة ليست فقط أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وإنما هي دولة ذات ثقل سياسي وجغرافي، وقناة السويس تمنحها أهمية استراتيجية عالمية.
واللافت أن المحادثات الصينية ـ المصرية لم تركز على الاقتصاد والاستثمار وحدهما، بل شملت أيضاً الأمن الإقليمي والتطورات السياسية في الشرق الأوسط.
وهنا بدأت الصورة تبدو أكثر وضوحاً:
الأردن في بكين، والرئيس الصيني في القاهرة.
ثم جاء التحرك القطري.
الدوحة تدخل المشهد
زيارة رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري إلى الصين تضيف بعداً آخر للصورة.
فقطر ليست قوة اقتصادية وطاقوية فحسب، بل أصبحت خلال السنوات الأخيرة لاعباً مهماً في الوساطات والأزمات الإقليمية.
وعندما تناقش الدوحة مع بكين العلاقات الاستراتيجية والتطورات الإقليمية وأمن الملاحة، فإن العلاقة لا تعود مجرد شراكة تجارية أو استثمارية، بل تصبح جزءاً من حوار أوسع حول أمن المنطقة ومستقبلها.
وهنا يمكن طرح السؤال الحقيقي:
هل تتحول الصين تدريجياً من شريك اقتصادي رئيسي للعرب إلى شريك سياسي له حضور أكبر في قضايا المنطقة؟
لماذا الصين الآن؟
الإجابة لا تتعلق بالصين وحدها.
الدول العربية نفسها تعيد النظر في طريقة إدارة علاقاتها الدولية.
فليس من الضروري أن تختار بين واشنطن وبكين.
قد تكون المعادلة الجديدة أكثر واقعية:
علاقات أمنية مع الولايات المتحدة، وشراكات اقتصادية وتكنولوجية واسعة مع الصين، وعلاقات سياسية مع روسيا وأوروبا، وانفتاح على قوى دولية أخرى.
إنها سياسة تقوم على تنويع الشركاء بدلاً من الاعتماد على طرف واحد.
والصين من جانبها تريد أن تكون أكثر حضوراً في الشرق الأوسط، ليس فقط كمشترٍ للطاقة أو مستثمر في البنية التحتية، وإنما كقوة دولية تستطيع الحديث مع مختلف أطراف المنطقة.
فهي تمتلك علاقات مع السعودية وقطر ومصر والأردن والإمارات، وفي الوقت نفسه تحتفظ بعلاقات قوية مع إيران.
وهذه القدرة على التواصل مع أطراف متباعدة تمنح بكين مساحة سياسية لا تتوفر بسهولة لقوى أخرى.
هل كانت زيارة الملك هي الشرارة؟
هنا يجب ألا نبالغ.
لا يمكن القول إن زيارة الملك عبدالله الثاني هي التي أنشأت العلاقات العربية ـ الصينية، فهذه العلاقات قديمة ومتطورة منذ سنوات.
لكن يمكن القول إن زيارة الملك جاءت في لحظة سياسية مناسبة، وساهمت في إبراز اتجاه بات أكثر وضوحاً: الرغبة العربية في توسيع الشراكات الدولية، والرغبة الصينية في لعب دور سياسي أكبر في الشرق الأوسط.
ولعل تسلسل الأحداث هو ما يجعل الزيارة الأردنية جديرة بالتوقف:
زيارة الملك عبدالله الثاني إلى بكين، ثم زيارة شي جين بينغ إلى القاهرة، ثم زيارة رئيس الوزراء القطري إلى الصين.
قد تكون هذه مجرد مصادفة زمنية، وقد تكون جزءاً من حراك أكبر.
لكن في السياسة الدولية، تكرار التحركات واتساق الملفات التي تناقشها الدول قد يكون أحياناً أهم من التصريحات نفسها.
الأردن في المشهد الجديد
ربما تكمن أهمية الأردن في هذه المعادلة في قدرته على التحرك بين أكثر من دائرة.
فهو قريب من الغرب، وله علاقات عميقة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وفي الوقت نفسه يرتبط بعلاقات استراتيجية مع الدول العربية والخليجية، ويفتح أبوابه أمام الصين وغيرها من القوى الدولية.
وهذا لا يعني أن الأردن يبحث عن بديل لحليف أو يتجه إلى محور ضد آخر.
بل يعني أن الأردن يحاول توظيف موقعه السياسي وعلاقاته المتعددة لخدمة مصالحه ومصالح المنطقة.
وهذه في حد ذاتها ورقة قوة.
ما الذي يمكن أن يحدث مستقبلاً؟
من المبكر الحديث عن محور عربي ـ صيني أو تحالف سياسي متكامل.
لكن المؤشرات الحالية تقول إن العلاقة تتجه إلى مساحة أوسع:
من التجارة والاستثمار إلى السياسة والدبلوماسية،
ومن الطاقة والبنية التحتية إلى التكنولوجيا والأمن الإقليمي،
ومن العلاقات الثنائية إلى حوار حول شكل النظام الدولي نفسه.
وربما يكون السؤال الأهم ليس: هل اختار العرب الصين؟
بل:
هل بدأ العرب ببناء علاقات دولية لا تعتمد على قوة واحدة؟
إذا كان الجواب نعم، فإن زيارة الملك عبدالله الثاني إلى بكين يمكن أن تُقرأ باعتبارها واحدة من المحطات المهمة في هذا التحول.
فالأردن، رغم صغر حجمه وإمكاناته، أثبت مراراً أن الدور السياسي لا يقاس دائماً بحجم الدولة أو ثروتها، وإنما بقدرتها على بناء الثقة، وفتح قنوات الحوار، والتحرك في اللحظة المناسبة.
ومن بكين إلى القاهرة والدوحة، يبدو أن شيئاً جديداً يتشكل في المنطقة.
قد لا يكون تحالفاً بعد…
لكنه بالتأكيد حراك يستحق أن نراقبه.