لندن: محمد الطّورة
في الحادي والثلاثين من آب، لا تحل مناسبة عيد ميلاد جلالة الملكة رانيا العبدالله كموعد للتهنئة فحسب، بل كفرصة للتوقف أمام مسيرة تجاوزت عقدين من العمل العام، ارتبط خلالها اسم جلالتها بقضايا الإنسان والأسرة والطفولة والتعليم وتمكين المرأة والشباب، وبحضور أردني أصبح مألوفاً ومؤثراً في كثير من المحافل الدولية.
وأكتب ذلك من زاوية مختلفة قليلاً؛ كمواطن أردني يعيش في المملكة المتحدة، وأتاح له عمله في مجال التشريفات والمراسم في لندن وواشنطن الاطلاع على جانب من البرامج واللقاءات التي شاركت فيها جلالة الملكة، ومتابعة أصداء حضورها في الإعلام والدوائر الدولية. كما أن تجربتي في العمل الإعلامي وإدارة “موقع العموم نيوز” الذي تجاوز عدد متابعيه في مرحلة معينة 51 مليوناً، أتاحت لي أن أرى عن قرب كيف تُبنى الصورة العامة للشخصيات والدول، وكيف يمكن للحضور الشخصي أن يتحول إلى قوة ناعمة تخدم رسالة وطن.
ومن هذه الزاوية، أرى أن تجربة جلالة الملكة رانيا لا يمكن اختزالها في البروتوكول أو المناسبات الرسمية.
فإلى جانب الدور الذي يقوده جلالة الملك عبدالله الثاني في الدفاع عن مصالح الأردن ومواقفه، حملت جلالتها إلى العالم وجهاً آخر من رسالة المملكة، عنوانه الإنسان.
التعليم والطفولة وتمكين المرأة والشباب، ودعم الأسرة، والتنمية المحلية، وتوسيع الفرص أمام الفئات الأقل حظاً، لم تكن بالنسبة إلى جلالتها عناوين عابرة، وإنما شكلت على مدى سنوات مساراً متكاملاً في العمل العام، ترجمته مبادرات ومؤسسات وبرامج وزيارات ميدانية داخل المملكة.
ومن يتابع حضورها في المحافظات والقرى والمؤسسات والمبادرات المحلية، يلحظ حرصاً على أن يبقى العمل التنموي قريباً من الناس، وأن تُسمع أصواتهم وتجاربهم، وأن لا يبقى الحديث عن التنمية محصوراً في الخطط والأرقام.
كما امتد هذا الحضور إلى إبراز الأردن نفسه؛ بما يملكه من مواقع سياحية وتراثية وثقافية، وبما تتيحه السياحة من فرص للعمل والتنمية في المجتمعات المحلية. وهذه، في تقديري، إحدى صور القوة الناعمة التي تحتاجها الدول، خصوصاً الدول التي لا تقاس قوتها بحجمها الجغرافي أو مواردها الطبيعية.
حين تتحدث جلالتها إلى العالم
أما على الصعيد الدولي، فقد برز صوت جلالة الملكة بصورة خاصة في القضايا الإنسانية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وما شهدته غزة من مأساة إنسانية غير مسبوقة.
وفي الوقت الذي حمل فيه جلالة الملك عبدالله الثاني الموقف الأردني إلى العواصم والمؤسسات السياسية الدولية، خاطبت جلالة الملكة رانيا الرأي العام العالمي بلغة إنسانية مباشرة، مركزة على الأطفال والمدنيين وضرورة حماية الأرواح واحترام القانون الدولي الإنساني.
وهنا تظهر أهمية التجربة من منظور من عاش في الغرب وتابع الإعلام فيه: الوصول إلى الجمهور الدولي ليس أمراً سهلاً، والأصعب هو أن تطرح أمامه قضية من منطقتنا بطريقة تجعل الإنسان يرى ما وراء العناوين السياسية.
وقد نجحت جلالتها، في مناسبات عديدة، في نقل النقاش من لغة الأرقام والسياسة إلى سؤال أكثر بساطة وعمقاً: ماذا يعني أن يكون الإنسان أباً أو أماً بينما يرى أطفاله يعانون ولا يستطيع حمايتهم؟
وفي هذا الجانب، تكامل حضورها مع الموقف الذي يقوده جلالة الملك، فأصبح للأردن صوت سياسي ودبلوماسي من جهة، وصوت إنساني قادر على الوصول إلى الرأي العام العالمي من جهة أخرى. ومن أحدث الأمثلة على ذلك ظهور جلالتيهما معاً في وثائقي لهيئة الإذاعة البريطانية تناول الجهود الإنسانية الأردنية تجاه أطفال غزة.
من الأم إلى الجدة
ولعل أجمل ما يميز عيد ميلاد جلالة الملكة هذا العام أنه يأتي في ظل فصل عائلي جديد.
فقد عاشت جلالتها قبل عامين فرحة أن أصبحت جدة للمرة الأولى مع ولادة سمو الأميرة إيمان بنت الحسين، ابنة سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني وسمو الأميرة رجوة الحسين، وهي فرحة عائلية حملت للأردنيين جميعاً مشاعر خاصة.
واليوم تتسع دائرة الأسرة الهاشمية أكثر، مع قدوم توأم سمو الأميرة إيمان بنت عبدالله الثاني والسيد جميل ألكساندر ترميوتس في الرابع عشر من آب الحالي، لتصبح جلالة الملكة جدة لحفيدتين جديدتين، في مناسبة جاءت قريبة جداً من قلب امرأة جعلت الأسرة والطفولة جزءاً أساسياً من رسالتها العامة.
وهنا ربما تلتقي الحياة الخاصة بالمسيرة العامة بصورة جميلة؛ فالملكة التي تحدثت سنوات عن أهمية الأسرة والطفولة وحق الأطفال في بيئة آمنة ومستقبل أفضل، تعيش اليوم تفاصيل هذه التجربة من موقع الأم والجدة.
الأردن الذي نراه من الخارج
ولعل العيش بعيداً عن الأردن يمنح الإنسان أحياناً قدرة أكبر على إدراك قيمة الصورة التي يحملها وطنه إلى الخارج.
وفي لندن وواشنطن، حيث تتقاطع السياسة بالإعلام والتشريفات والعلاقات الدولية، أدركت أن حضور الأردن لا يرتبط فقط بمواقفه الرسمية، وإنما أيضاً بالأشخاص الذين يستطيعون تقديم قصته إلى العالم بلغة يفهمها.
وفي هذا المجال، كان لجلالة الملكة رانيا حضور واضح؛ حضور يقوم على التعليم والتنمية والمرأة والطفل والشباب، وعلى قضايا إنسانية تتجاوز الحدود، وفي مقدمتها فلسطين.
أن صورة الأردن وسمعتها ومكانتها في الخارج هي حصيلة قيادة ومؤسسات وشعب وتاريخ من العلاقات والمواقف. لكن الشخصيات التي تمتلك القدرة على مخاطبة العالم تستطيع أن توسع دائرة المعرفة بالأردن، وأن تجعل قضاياه أقرب إلى جمهور ربما لم يكن يعرف عنه الكثير.
وهذا، في النهاية، أحد معاني القوة الناعمة.
عيد ميلاد.. وامتداد لمسيرة
لذلك، فإن عيد ميلاد جلالة الملكة رانيا ليس مجرد مناسبة للقول: كل عام وأنت بخير.
إنه مناسبة لاستذكار مسيرة جعلت من الإنسان محوراً للعمل، ومن التعليم والطفولة والأسرة والمرأة والشباب جسوراً بين الداخل الأردني والعالم.
مسيرة تحركت بين المدرسة والجامعة والمجتمع المحلي، وبين العواصم الدولية والمنابر الإعلامية، وبين قضايا التنمية وهموم الأسرة، وبين الأردن وفلسطين، وبقيت في جوهرها مرتبطة بفكرة واحدة: أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الحقيقي في المستقبل.
من لندن، ومن موقع المواطن الذي يراقب وطنه من بعيد لكنه لا يفقد صلته به، تبدو قيمة هذا الحضور أوضح: أن يبقى الأردن حاضراً بصوته ومواقفه وإنسانيته، وأن يعرفه العالم بما يمثله من اعتدال واستقرار ورسالة، لا بما يحيط به من أزمات فقط.
كل عام وجلالة الملكة رانيا العبدالله بخير، وكل عام والأسرة الهاشمية بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني والأردن وشعبه الكريم بألف خير.