العموم نيوز: أدانت الولايات المتحدة بشدة الضربات الجوية الأخيرة التي نفذتها القوات المسلحة السودانية داخل الأراضي التشادية، محذرة من توسيع نطاق الحرب إلى خارج حدود السودان، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من أن تقود مغامرات قيادة الجيش إلى تفجير مواجهة إقليمية تهدد أمن دول الجوار واستقرارها.
وقال مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، إن “الولايات المتحدة تدين الضربات الجوية الأخيرة التي شنتها القوات المسلحة السودانية داخل تشاد”، مؤكداً ضرورة وقف العنف داخل السودان وخارجه، ومشدداً على أنه “لا يوجد حل عسكري لهذا الصراع، ولا يوجد على الإطلاق أي مبرر لتوسيع نطاق العنف خارج حدود السودان”.
وطالب بولس طرفي الحرب بقبول هدنة إنسانية فورية، وحماية المدنيين، وإتاحة وصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق. كما دعا مجلس الأمن الدولي إلى التحرك بصورة عاجلة، بما يضمن أن يعكس حظر توريد الأسلحة ونظام العقوبات واقع الصراع الراهن، ومحاسبة الجهات التي تغذي الحرب وتسهم في توسيع نطاقها.
وشدد على ضرورة وقف جميع أشكال الدعم المالي والعسكري الخارجي المقدَّم إلى الأطراف المتحاربة.
انتهاك للسيادة التشادية
جاءت الإدانة الأميركية بعدما اتهم الجيش التشادي القوات المسلحة السودانية بتنفيذ غارات جوية استهدفت قافلة من المركبات داخل الأراضي التشادية، في حادثة تنقل الحرب السودانية إلى مستوى أكثر خطورة، وتحوّلها من صراع داخلي مدمر إلى تهديد مباشر لأمن المنطقة.
وقالت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة التشادية إن القصف وقع نحو الساعة الثامنة من مساء الخميس 20 أغسطس، في مقاطعة موردي بإقليم إنيدي الشرقي، قرب الحدود المشتركة بين البلدين.
وأكد مدير الإعلام في الجيش التشادي، الجنرال الشانان إسحاق الشيخ، أن عمليات الاستطلاع الجوي والبري التي أجرتها القوات التشادية في اليوم التالي للحادثة أظهرت أن الطائرات والمسيّرات المستخدمة في الهجوم تابعة للقوات المسلحة السودانية أو لجهات مساندة لها.
وأدانت هيئة الأركان التشادية بشدة ما وصفته بـ”الانتهاك الجديد للسيادة الوطنية وسلامة أراضي البلاد”، محذرة الأطراف المنخرطة في الحرب السودانية من مغبة نقل المواجهات العسكرية إلى داخل تشاد.
وفي مؤشر على خطورة الحادثة، وضعت القيادة العسكرية التشادية جميع وحدات القوات المسلحة في حالة تأهب قصوى، مؤكدة احتفاظ نجامينا بحقها في اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن سيادتها وسلامة أراضيها والتصدي لأي تهديد لأمنها القومي.
أدلة على وقوع القصف
عززت صور الأقمار الصناعية المعطيات المتعلقة بوقوع الهجوم داخل الأراضي التشادية، إذ أظهرت صور التقطها القمر الصناعي الأوروبي “سنتينل-2″، في 21 أغسطس، بؤراً حرارية وآثار احتراق في مواقع متفرقة داخل إقليم إنيدي الشرقي.
وتشير الصور إلى اندلاع حرائق واسعة في المنطقة خلال الفترة الزمنية المحيطة بالقصف، بما يتسق مع إعلان السلطات التشادية تعرض مواقع داخل أراضيها لغارات جوية.
ويكشف وصول الطائرات والمسيّرات إلى عمق الأراضي التشادية حجم المخاطر الناجمة عن إصرار قيادة الجيش السوداني على مواصلة الحرب وتوسيع مسرح عملياتها، من دون اكتراث بالعواقب التي قد تترتب على انتهاك حدود دولة مجاورة ودفعها إلى رفع جاهزيتها العسكرية.
تحذير من الاتحاد الأفريقي
ودخل الاتحاد الأفريقي على خط الأزمة، إذ أعرب رئيس مفوضيته محمود علي يوسف عن قلقه إزاء الغارات التي وقعت داخل الأراضي التشادية، مجدداً التزام الاتحاد الصارم باحترام سيادة الدول الأعضاء ووحدتها وسلامة أراضيها وحرمة حدودها.
ودعا يوسف جميع الأطراف إلى التحلي بأقصى درجات ضبط النفس، والامتناع عن أي تحرك من شأنه تصعيد التوتر بين الدول المتجاورة، واتخاذ التدابير الضرورية لمنع امتداد الحرب السودانية إلى ما وراء حدود البلاد.
ويعكس الموقف الأفريقي مخاوف متزايدة من أن تؤدي تصرفات قيادة الجيش السوداني إلى نقل الحرب إلى دول الجوار، وفتح جبهات جديدة يصعب احتواؤها، في منطقة تعاني أصلاً أزمات أمنية وإنسانية متراكمة.
دعوة إلى إنهاء الحرب
وأشاد خالد عمر يوسف، القيادي في تحالف القوى المدنية الديمقراطية “صمود”، بالموقف الأميركي، مؤكداً ضرورة إنهاء الحرب في السودان ووقف تمددها خارج حدوده.
وقال يوسف: “يجب أن تنتهي الحرب في السودان، ويجب وقف توسعها خارج حدود السودان”، مضيفاً: “نحتاج إلى هدنة إنسانية فورية، وحماية للمدنيين، ووصول المساعدات من دون عوائق، مع ضرورة المساءلة والمحاسبة، ومستقبل ديمقراطي مدني للسودان”.
ويربط موقف يوسف بين وقف التوسع العسكري خارج الحدود ومعالجة أصل الأزمة في الداخل، من خلال إنهاء الحرب، وحماية المدنيين، وفتح المسارات الإنسانية، وإخضاع المسؤولين عن الانتهاكات للمحاسبة، وإعادة السودان إلى طريق الانتقال المدني الديمقراطي.
تهديد سابق لمطارات تشاد
ولا يمكن فصل القصف الأخير عن تهديدات علنية سبق أن أطلقها رئيس هيئة أركان الجيش السوداني الحالي، الفريق أول ياسر العطا، ضد تشاد، عندما كان مساعداً للقائد العام، إذ أعلن أن مطاري نجامينا وأم جرس أصبحا “هدفين مشروعين للقوات المسلحة السودانية”.
وشدد العطا، خلال خطاب ألقاه في ولاية القضارف في 23 مارس 2025، على جدية تهديده، قائلاً: “نحن نعلم ما نقول، وحديثنا ليس مزحة إطلاقاً ولا حديثاً يُطلق في الهواء”.
واعتبرت وزارة الخارجية التشادية، حينها، تصريحات العطا بمثابة “إعلان حرب”، مؤكدة احتفاظ نجامينا بحقها في الدفاع عن سيادتها وسلامة أراضيها.
وتكتسب تلك التهديدات دلالة أشد خطورة بعد الغارات الأخيرة، إذ لم تعد تصريحات العطا مجرد خطاب تعبوي، وإنما باتت تُقرأ في ضوء اتهام رسمي تشادي للجيش السوداني بتنفيذ قصف فعلي داخل أراضي البلاد.
تصدير الحرب إلى دول الجوار
ويقول مراقبون إن قيادة الجيش السوداني، التي تسيطر عليها الحركة الإسلامية، لا تكتفي بإطالة أمد الحرب في الداخل، وإنما تعمل على تصدير أزماتها إلى الخارج وزعزعة استقرار دول الجوار، عبر خطاب عدائي وتهديدات عسكرية يمكن أن تدفع المنطقة نحو مواجهات مفتوحة.
ويرى هؤلاء أن توسيع العمليات العسكرية إلى خارج السودان يعكس خطورة المشروع الذي تقوده الحركة الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية، والقائم على تحويل الحرب إلى أداة للبقاء في السلطة، حتى لو أدى ذلك إلى تعريض علاقات السودان الإقليمية وأمن حدوده لمخاطر غير مسبوقة.
وتثير الغارات الأخيرة مخاوف جدية من انتقال التوتر بين بورتسودان ونجامينا من مرحلة تبادل الاتهامات والتهديدات إلى مواجهات عسكرية مباشرة، على امتداد حدود مشتركة يتجاوز طولها 1300 كيلومتر، وتستضيف المناطق المحاذية لها مئات الآلاف من اللاجئين السودانيين الفارين من الحرب.
وبذلك، لم تعد الحرب التي أشعلت الخراب داخل السودان تهدد السودانيين وحدهم، بل باتت سياسة التصعيد التي تتبعها قيادة الجيش تنذر بتوسيع دائرة النار إلى دول الجوار، وجر المنطقة بأكملها إلى صراع ستكون كلفته الإنسانية والأمنية أشد فداحة.