العموم نيوز: لم يكن حساب «شذا عراقجي» على «فيسبوك» مجرد صفحة تحمل اسماً إيرانياً وتقدم محتوى سياسياً لمتابعين عرب؛ فالحساب الذي نجح في بناء جمهور ملحوظ، خصوصاً بين المؤيدين لإيران، وجد نفسه فجأة في قلب تساؤلات تتعلق بهويته الحقيقية والجهة التي تقف وراءه، بعدما أعلن أن صاحبته ستظهر على قناة «الجزيرة»، قبل أن لا يحدث الظهور المعلن.
القصة دفعت إلى التدقيق في الحساب، وانتهت «الجزيرة»، وفق ما أُثير حول القضية، إلى التعامل معه باعتباره حساباً مزيفاً، لتتحول «شذا عراقجي» من شخصية افتراضية على مواقع التواصل إلى نموذج مثير للاهتمام حول كيفية صناعة هوية رقمية قادرة على اكتساب الثقة والتأثير في جمهور سياسي محدد.
وتكتسب القصة أهمية أكبر إذا وضعت في سياق أوسع يتعلق بالمعركة على الرواية السياسية الإيرانية في الفضاء الرقمي، فطهران لا تعتمد في إيصال رسائلها على وسائل الإعلام الرسمية وحدها، بل تستفيد من شبكة واسعة من المنصات والحسابات والناشطين الذين يعيدون إنتاج مواقفها بلغة موجهة إلى الجمهور العربي، وهو ما يجعل الفصل بين الإعلام الرسمي والحسابات المؤيدة والمستقلة ظاهرياً أكثر تعقيداً.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الحساب باعتباره مثالاً محتملاً على أسلوب صناعة السردية عبر شخصيات رقمية تبدو مستقلة؛ إذ تمنح الشخصية الوهمية الرواية السياسية وجهاً شخصياً، وتسمح بتقديم مواقف مؤيدة لإيران باعتبارها آراء فردية لا رسائل صادرة عن مؤسسة إعلامية أو سياسية.
لكن السؤال الأكثر حساسية يتعلق بهوية من يقف وراء الحساب، فقد ترددت تكهنات على مواقع التواصل تربطه بالباحث والمحلل الإيراني حسن أحمديان، المعروف بظهوره في وسائل الإعلام العربية وحديثه باللغة العربية عن الشأن الإيراني والإقليمي، غير أن هذا الربط لم يثبت بأدلة علنية موثوقة حتى الآن، وبالتالي لا يمكن التعامل معه باعتباره حقيقة، وإنما كفرضية تستحق التحقيق والتحقق.
وما يجعل الفرضية مثيرة للاهتمام هو التشابه المحتمل بين طبيعة المحتوى الذي قدمه الحساب واللغة المستخدمة في الخطاب السياسي الإيراني الموجه إلى الجمهور العربي. لكن التشابه في اللغة أو المواقف وحده لا يكفي لإثبات الملكية أو الإدارة.
القضية، في جوهرها، تفتح سؤالاً أكبر من هوية «شذا عراقجي»، كم من الشخصيات التي تظهر على مواقع التواصل بوصفها أصواتاً مستقلة هي في الحقيقة أدوات لصناعة روايات سياسية موجهة؟
ففي عصر الحروب الإعلامية، لم تعد صناعة التأثير تحتاج بالضرورة إلى قناة تلفزيونية أو صحيفة، أحياناً يكفي اسم، وصورة، وحساب نشط، وجمهور يصدق أن خلف الشاشة شخصاً حقيقياً.
وهنا تكمن أهمية قصة «شذا عراقجي»، ليس فقط في معرفة من يقف خلف الحساب، وإنما في تفكيك الآلية التي مكنته من بناء المصداقية، وتحديد مصادر محتواه، والحسابات التي تفاعلت معه، والجهات التي ساعدت على انتشاره، وما إذا كان جزءاً من شبكة أوسع تعمل على تعزيز سردية سياسية تخدم توجهات إيران.