لندن: محمد الطّورة
أحياناً تصنع الصدفة تشابهاً في الأسماء، لكن القيمة الحقيقية تكمن عندما يتجاوز التشابه حدود الاسم ليصل إلى السلوك والموقف والرسالة. وهذا ما نراه في الأستاذين موسى الصبيحي وموسى الزويري؛ اسمان متشابهان، وتجربتان مختلفتان، لكنهما يلتقيان في قيمة واحدة تستحق التقدير: خدمة الناس والعطاء دون انتظار مقابل.
ففي زمن تتسارع فيه مشاغل الحياة، وتزداد فيه المسؤوليات، وتصبح المصلحة الشخصية حاضرة في كثير من تفاصيل حياتنا، تبرز بعض النماذج التي تعيد إلى الأذهان معنى أصيلاً من معاني المجتمع الأردني: أن يكون الإنسان عوناً لأخيه الإنسان، وأن يقدم مما يملك من علم أو وقت أو جهد دون أن ينتظر مقابلاً.
الأستاذ موسى الصبيحي اختار أن يجعل من علمه وخبرته في مجال قانون الضمان الاجتماعي خدمةً للمواطنين. فهو يقدم المعلومات والتوضيحات والنصائح المتعلقة بالضمان الاجتماعي، ويجيب عن استفسارات المواطنين ويساعدهم على فهم حقوقهم والتزاماتهم، واضعاً خبرته في متناول من يحتاج إليها دون مقابل.
وهذه ليست مسألة بسيطة كما قد يظن البعض؛ فالمعلومة الصحيحة في مجال يمس حياة الإنسان ومستقبله وحقوقه قد تكون ذات قيمة كبيرة. وعندما يقدمها صاحب الخبرة للناس دون أن يجعل المقابل المادي شرطاً للحصول عليها، فإنه يحول المعرفة من منفعة شخصية إلى خدمة عامة ذات أثر إنساني ومجتمعي.
أما الأستاذ موسى الزويري، فقد اختار طريقاً آخر للعطاء، لكنه لا يقل أهمية. فقد سخّر وقته وجهده لمساعدة الطلبة، والإسهام في تسهيل وصولهم إلى مدارسهم بكل يسر وسهولة وأمان.
وقد تبدو هذه المبادرة في ظاهرها عملاً يومياً بسيطاً، لكنها في جوهرها تحمل قيمة إنسانية كبيرة. فحين يساعد إنسان طالباً على الوصول إلى مدرسته بأمان، فهو لا يقدم مجرد خدمة عابرة، بل يساهم في حماية طفل، ويمنح أسرةً شعوراً بالطمأنينة، ويساعد طالباً على الوصول إلى المكان الذي يتعلم فيه ويبني مستقبله.
وهنا تحديداً تكمن عظمة المبادرات الفردية؛ فالعطاء لا يقاس بحجمه، وإنما بحجم الأثر الذي يتركه في حياة الآخرين.
موسى الصبيحي يعطي من علمه وخبرته، وموسى الزويري يعطي من وقته وجهده. اختلف المجال، واختلفت طبيعة الخدمة، لكن الرسالة واحدة: أن يمتلك الإنسان شيئاً نافعاً، ثم يقرر أن يجعل منه منفعةً للآخرين.
وهذه هي الثقافة التي نحتاج إلى ترسيخها في مجتمعنا.
نحن بحاجة إلى أن نعيد الاعتبار لفكرة العطاء المجتمعي، وأن ندرك أن خدمة الناس ليست مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها، وليست مرتبطة دائماً بالمال والإمكانات الكبيرة.
قد تكون لديك خبرة تستطيع أن تقدمها لشخص يحتاج إليها، أو معرفة تستطيع أن توفر بها على إنسان عناء البحث، أو وقت تستطيع أن تمنحه لطالب أو كبير في السن، أو جهداً بسيطاً تستطيع من خلاله أن تجعل حياة شخص آخر أسهل وأكثر أمناً.
ولو أن كل إنسان سأل نفسه: ماذا أستطيع أن أقدم للآخرين بما أملك؟، لتحولت المبادرات الفردية الصغيرة إلى قوة مجتمعية كبيرة.
إن المجتمعات لا تتقدم فقط بالمشروعات والقوانين والمؤسسات، وإنما تتقدم أيضاً عندما تسود بين أفرادها الثقة والتكافل وروح المبادرة والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين.
ومن هنا، فإن الإشادة بالأستاذين موسى الصبيحي وموسى الزويري ليست مجرد كلمات شكر لشخصين يستحقان التقدير، وإنما هي أيضاً دعوة إلى الاحتفاء بكل إنسان يختار أن يكون نافعاً للناس.
شكراً للأستاذ موسى الصبيحي، لأنك جعلت من علمك وخبرتك وسيلةً لإرشاد المواطنين وتعريفهم بحقوقهم، وقدمت لهم المعرفة والنصيحة دون مقابل.
وشكراً للأستاذ موسى الزويري، لأنك جعلت من وقتك وجهدك وسيلةً لمساعدة الطلبة، وحرصت على أن يصلوا إلى مدارسهم بسهولة وأمان.
شكراً لكما، لأنكما تقدمون نموذجاً عملياً لما يمكن أن يفعله الإنسان عندما يؤمن بأن الخير مسؤولية، وأن خدمة الناس قيمة، وأن ما يقدمه الإنسان للآخرين قد يبقى أثره أكبر بكثير مما يتوقع.
والأهم من ذلك كله أن نتمنى ألا تبقى هذه المبادرات مجرد قصص جميلة نتحدث عنها، بل أن تتحول إلى ثقافة عامة وسلوك مجتمعي.
نريد أن نرى المزيد من أصحاب المبادرات، كلٌّ في موقعه ومجاله؛ الطبيب الذي يقدم من علمه، والمعلم الذي يمد يد العون لطالب، والمحامي الذي يرشد من يحتاج إلى معرفة حقه، والموظف الذي يساعد من يراجع مؤسسته، وكل إنسان يجد في نفسه قدرة على تخفيف عناء الآخرين.
فالمجتمع الذي يتنافس أبناؤه في الخير، هو مجتمع يملك أسباب القوة والتماسك.
وفي النهاية، قد يكون تشابه اسمَي موسى الصبيحي وموسى الزويري مجرد مصادفة، لكن تشابه روحيهما في حب الخير وخدمة الناس ليس أمراً عابراً؛ إنه نموذج جميل يستحق أن يُذكر ويُشكر ويُحتذى.
فالخير لا يحتاج دائماً إلى إمكانات كبيرة؛ أحياناً يحتاج فقط إلى إنسان قرر أن يقول: أستطيع أن أساعد… فلماذا لا أفعل؟