هناك كلام بدأ يتسرب بكثافة مقلقة إلى فضاء السوشال ميديا الأردني، كلام يعيد فتح دفاتر كان يفترض أن مائة عام من عمر الدولة قد وضعتها في مكانها الصحيح، فيسأل عن الأصل قبل أن يسأل عن المواطنة، ويقسم الأردنيين بطريقة توحي بأننا أمام جماعتين تتقاسمان وطنا مؤقتا، لا أمام مجتمع واحد تشكل، بكل تعقيداته ومصاهراته وذاكرته ومصالحه المشتركة، داخل دولة لها دستور يحدد بوضوح من هو المواطن وما له وما عليه.
وهنا تحديدا يجب ألا ندخل في مزاد الأصول، ولا في سباق إثبات من هو الأكثر أردنية، لأن الدولة حسمت هذه المسألة منذ زمن، والدستور هو مسطرة القياس الوحيدة، فالأردنيون أمام القانون سواء في الحقوق والواجبات، ومن يحمل المواطنة الأردنية ليس مطالبا كل صباح بتقديم شهادة جديدة تثبت درجة انتمائه، كما أن الأصل العائلي أو الجغرافي ليس امتيازا سياسيا يمنح صاحبه حقوقا إضافية، ولا تهمة تنتقص من حقوق غيره.
المشكلة أن الخطاب الإقصائي لا يبدأ دائما بالشتيمة، بل كثيرا ما يتسلل تحت عناوين تبدو وطنية، مثل حماية الهوية أو التصدي للوطن البديل أو التحذير من ازدواجية الولاء، وازدواجية الولاء مسألة مشروعة للنقاش حين ترتبط بسلوك أو موقف سياسي محدد يمكن قياسه ومحاسبة صاحبه عليه، لكنها تتحول إلى خطر حين تصبح شبهة جماعية تلاحق مواطنين بسبب أصولهم، لأن الاتهام الجماعي لا يحمي الدولة، بل يهدم فكرة المواطنة نفسها.
وفي المقابل، لا يمكن معالجة هاجس ازدواجية الولاء بانغلاقية شوفينية ترى الوطن ملكية حصرية لجماعة دون غيرها، فكلا التطرفين يلتقيان في نقطة واحدة، كلاهما يضع الانتماء فوق الدستور، الأول بتوزيع الولاءات خارج الدولة، والثاني باحتكار الدولة لنفسه، وفي الحالتين يصبح المواطن مطالبا بالانتماء إلى جماعة قبل أن ينتمي إلى الدولة.
إن الدولة الواثقة بنفسها لا تخشى تعدد الجذور، فالأردني من الكرك يعرف جذوره، والأردني من نابلس يعرف جذوره، والشركسي والشيشاني والأرمني يعرف كل منهم ذاكرته العائلية والثقافية، ولا شيء في المواطنة يطلب من الإنسان أن ينسى من أين جاء، لكن الدولة تطلب منه أن يعرف إلى أين ينتمي سياسيا وقانونيا، وهنا لا توجد مسطرة سوى الدستور.
ولعل أهم ما ينبغي تذكره أن المائة عام الأولى من عمر الأردن لم تكن سهلة، فقد عبر الأردنيون حروبا ولجوءا وفقرا وتحولات سكانية وضغوطا إقليمية هائلة، ومع ذلك بقيت الدولة قادرة على الاستمرار لأنها بنت، على مشقتها ونواقصها، إطارا للمواطنة أكبر من الانقسامات، ولم يكن نجاحها في أنها ألغت الاختلافات، بل في أنها منعتها من أن تصبح حدودا سياسية بين مواطنيها.
ولهذا فإن اللعب اليوم على خطوط الأصل والمنبت ليس سجالا سخيفا على مواقع التواصل فقط، بل عبث بأحد أثمن أصول الدولة، وهو الثقة بين مواطنيها، فالدول لا تبدأ بالتفكك حين تختلف مكوناتها، بل حين يبدأ كل مكون بالنظر إلى الآخر باعتباره ضيفا أو منافسا أو صاحب حصة أقل في الوطن.
الأردن ليس نصفين حتى نبحث كل يوم عن معادلة تجمعهما، ولا يحتاج إلى إعادة فرز مواطنيه في مطلع مئويته الثانية، فالدستور هو الحكم، والمواطنة هي المعيار، وما عدا ذلك ذاكرة شخصية محترمة لا تمنح أحدا حقا إضافيا ولا تسلب من أحد حقا، والأردن الذي عبر مائة عام لم يعبرها لأنه كان بلا اختلافات، بل لأنه كان، في اللحظات الحاسمة، أكبر منها.