لندن: محمد الطّورة
وراء كل زيارة يقوم بها الملك أبواب تُطرق، وعلاقات تُبنى، ومصالح تُدافع، وفرص يُبحث عنها.
زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية الصين الشعبية ليست مجرد زيارة دولة تضاف إلى قائمة طويلة من الزيارات الملكية، ولا ينبغي النظر إليها من زاوية البروتوكول وحده. إنها، في جوهرها، حلقة جديدة في سياسة أردنية تقوم على توسيع شبكة العلاقات الدولية، وتعظيم المصالح الوطنية، وفتح آفاق جديدة أمام الاقتصاد والاستثمار.
فالزيارة، التي تبدأ الاثنين المقبل، تتضمن لقاءات مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، ورئيس الوزراء لي تشيانغ، ورئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني تشاو له جي، إلى جانب لقاءات مع عدد من كبرى الشركات الصينية، فيما يُنتظر توقيع اتفاقيات تعاون ومذكرات تفاهم في مجالات متعددة، بحضور وفد وزاري اقتصادي.
وهنا تكمن دلالة الزيارة: الأردن لا يذهب إلى الصين ليؤكد وجوده، وإنما ليجعل هذا الوجود أكثر تأثيراً وفائدة.
العلاقات الأردنية الصينية ليست جديدة؛ فقد بدأت دبلوماسياً عام 1977، وتطورت عبر العقود إلى أن ارتقت إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية عام 2015. واليوم تبدو الحاجة أكبر إلى نقل هذه العلاقة من المجال السياسي إلى شراكات اقتصادية واستثمارية أكثر اتساعاً، خصوصاً مع دولة بحجم الصين وثقلها الاقتصادي والتكنولوجي والسياسي.
لكن الأهم من الزيارة نفسها هو ما تقوله عن الأردن ودبلوماسيته.
فالأردن ليس دولة كبرى من حيث المساحة أو عدد السكان أو الموارد الطبيعية، لكنه أثبت أن الدول لا تُقاس بحجمها الجغرافي وحده، وإنما بحجم تأثيرها، وبقدرة قيادتها على بناء العلاقات، وحسن إدارة موقعها، وصناعة حضور يتجاوز إمكاناتها المادية.
وفي منطقة شديدة التعقيد، لا يستطيع الأردن أن ينكفئ على نفسه أو أن ينتظر العالم حتى يأتي إليه. إنه بحاجة إلى أن يذهب إلى العالم، وأن يشرح مواقفه، ويبحث عن الاستثمار، ويفتح الأسواق، ويعمق علاقاته السياسية، ويبني الشراكات التي تساعده على مواجهة تحدياته.
ومن هنا يمكن فهم كثرة جولات الملك عبدالله الثاني الخارجية بعيداً عن التفسيرات السطحية التي تختزلها أحياناً في عدد الرحلات أو المسافات.
العلاقات الدولية لا تُبنى من المكاتب وحدها.
السفارات والوزارات تقوم بدورها، لكن هناك لحظات تحتاج فيها الدول إلى مستوى القيادة المباشر. فاللقاء بين القادة قد يفتح باباً لا تفتحه المراسلات، والزيارة الرسمية قد تضع علاقة بأكملها على مسار جديد، واللقاء مع رجال الأعمال قد يتحول إلى مشروع واستثمار وفرص عمل.
ولهذا فإن زيارات الملك إلى مختلف عواصم العالم ينبغي أن تُقرأ باعتبارها جزءاً من وظيفة الدولة الأردنية في الدفاع عن مصالحها وبناء مكانتها، لا باعتبارها نشاطاً منفصلاً عن الاقتصاد والسياسة.
فكل عاصمة يزورها الملك هي علاقة تُعمّق، وكل لقاء هو قناة اتصال، وكل منتدى اقتصادي فرصة لعرض الأردن، وكل شراكة جديدة قد تفتح نافذة أمام الاقتصاد الوطني.
وهذا لا يعني أن كل زيارة ناجحة بالضرورة، أو أن نتائجها يجب أن تكون فوق النقد والتقييم. على العكس، المعيار الحقيقي لأي زيارة هو ما تتركه وراءها من نتائج: استثمارات، اتفاقيات فاعلة، أسواق جديدة، دعم سياسي، تعاون اقتصادي أو فرص حقيقية للأردن.
أما اختزال الزيارات كلها في صور البروتوكول والطائرات، فهو اختزال للدبلوماسية في مظاهرها وإغفال لوظيفتها.
فالطائرة ليست هي الهدف، والزيارة ليست هي الغاية. الهدف هو الأردن.
والصين تحديداً تمثل فرصة مهمة في هذا السياق. فهي قوة اقتصادية وسياسية كبرى، والأردن يستطيع أن يقدم نفسه لها ليس فقط كسوق، وإنما كبوابة إقليمية للاستثمار والتجارة والخدمات واللوجستيات، مستفيداً من موقعه واستقراره وشبكة علاقاته واتفاقياته التجارية.
لكن الاتفاقيات ومذكرات التفاهم وحدها لا تكفي. النجاح الحقيقي يبدأ عندما تتحول التفاهمات إلى مشاريع واستثمارات وشراكات ونقل معرفة وتكنولوجيا، وعندما تترجم السياسة إلى اقتصاد، والصداقات إلى مصالح متبادلة.
وهنا تتكامل الدبلوماسية الملكية مع عمل الحكومة والقطاع الخاص: القيادة تفتح الأبواب، والمؤسسات مطالبة بأن تدخل منها.
أما الاعتدال الذي اختاره الأردن في سياسته الخارجية، فلا ينبغي أن يُفهم باعتباره ضعفاً أو تردداً. في عالم تتنافس فيه القوى الكبرى وتتداخل فيه المصالح، قد يكون امتلاك علاقات جيدة مع أطراف متعددة واحداً من أهم عناصر القوة.
الدولة الذكية ليست تلك التي تختار عاصمة واحدة وتتخلى عن سائر العواصم، وإنما التي تبني شبكة واسعة من العلاقات، وتحافظ على استقلال قرارها، وتبحث عن مصالحها حيثما كانت.
لذلك، فإن زيارة الملك إلى الصين ليست مجرد زيارة أخرى.
إنها رسالة بأن الأردن، مهما كان محدوداً في المساحة والموارد، يرفض أن يكون محدوداً في طموحه أو حضوره.
وهي أيضاً تذكير بأن الدول الصغيرة لا تستطيع أن تعيش في عالم اليوم بسياسة الانتظار؛ عليها أن تتحرك، وأن تتحدث، وأن تبني، وأن تطرق الأبواب.
ولهذا يسافر الملك.
ليس لأن السفر غاية، ولا لأن كثرة الزيارات هدف بحد ذاتها، وإنما لأن الأردن يحتاج إلى أن يكون حاضراً في عواصم العالم، وأن يحافظ على شبكة أصدقائه وشركائه، وأن يدافع عن مصالحه، وأن يبحث عن فرص اقتصاده.
وقد يكون السؤال الأجدر من: لماذا يسافر الملك كثيراً؟
هو: ماذا كان سيحدث لو لم يسافر؟
ففي عالم لا يرحم الدول الغائبة، الحضور ليس ترفاً.
والدبلوماسية ليست سياحة.
إنها إحدى أدوات حماية الدولة وبناء مستقبلها.
وهكذا، فإن الأردن قد لا يكون كبيراً بمساحته، لكنه يستطيع أن يكون كبيراً بتأثيره؛ وهذه، في النهاية، واحدة من أهم قصص السياسة الأردنية التي تستحق أن تُقرأ بعيداً عن أي أعتبارات آخرى، وبعيداً عن الحسابات السطحية التي تقيس عمل الدولة بعدد الرحلات، لا بحجم المصالح التي تسعى إلى تحقيقها.