العموم نيوز: بعد أشهر من الحرب على إيران، تبدو اقتصادات الخليج أكثر قدرة على امتصاص الصدمة مما كان متوقعاً في بدايتها. فمع أن إغلاق مضيق هرمز واضطراب حركة الملاحة وتعرض منشآت الطاقة لهجمات ألحق أضراراً بالنشاط الاقتصادي، فإن دولاً مثل السعودية وقطر والإمارات استطاعت استخدام ما راكمته خلال السنوات الماضية من احتياطيات مالية واستثمارات خارجية واقتصادات غير نفطية لتقليص تداعيات الحرب ومنع تحولها إلى أزمة اقتصادية ممتدة.
ولم تكن هذه القدرة وليدة الحرب، بل نتيجة سنوات من إعادة بناء النموذج الاقتصادي الخليجي. فقد اتجهت دول المنطقة إلى توسيع مصادر الدخل، والاستثمار في قطاعات السياحة والخدمات واللوجستيات والتكنولوجيا والصناعة، بالتوازي مع إنشاء صناديق سيادية ضخمة تستثمر جزءاً كبيراً من فوائض النفط والغاز في أسواق عالمية متنوعة.
وتبرز السعودية مثالاً واضحاً على ذلك. فرغم تراجع صادرات النفط نتيجة القيود على الملاحة في الخليج، يشير صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد السعودي أظهر قدرة على الصمود بفضل قوة الأساسيات الاقتصادية وتنوع البنية اللوجستية والنفطية، إضافة إلى الاحتياطيات الكبيرة والصندوق السيادي. كما ظل النشاط غير النفطي مدعوماً بالطلب المحلي والإنفاق الحكومي والمشروعات الاستثمارية.
وتكشف تجربة المملكة أن التحول الذي تقوده رؤية 2030 بدأ يؤدي وظيفة تتجاوز تقليل الاعتماد على النفط. فقد وصلت مساهمة الاقتصاد غير النفطي إلى نحو 55% من الناتج المحلي في 2025، مع نمو هذا القطاع 4.9%، وفق بيانات برنامج الرؤية.
وهذا التنوع يمنح الاقتصاد السعودي قدرة أكبر على تحمل اضطراب قطاع الطاقة؛ فحتى عندما تتراجع قدرة البلاد على تصدير النفط عبر المسارات التقليدية، تظل قطاعات البناء والخدمات والسياحة والتجارة والاستثمار والإنفاق المحلي قادرة على توليد النشاط الاقتصادي.
الإمارات.. اقتصاد لا يعتمد على مسار واحد
في الإمارات تبدو الصورة أكثر وضوحاً، إذ تحول الاقتصاد خلال العقود الماضية إلى مركز للتجارة والطيران والسياحة والخدمات المالية واللوجستيات والتكنولوجيا، فيما أصبحت الاستثمارات الخارجية جزءاً أساسياً من القوة المالية للدولة.
وتملك الإمارات أحد أكبر مجمعات الثروة السيادية في العالم، وقد استخدمت أبوظبي خلال السنوات الماضية هذه القوة لبناء محافظ استثمارية موزعة جغرافياً وقطاعياً، تشمل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة والبنية التحتية والأسواق المالية العالمية. وتشير “فايننشال تايمز” إلى أن الثروة السيادية الإماراتية، المقدرة بنحو 1.7 تريليون دولار، أصبحت أداة رئيسية لتعزيز الحضور الاقتصادي العالمي للدولة.
وبالتالي، فإن تعرض قطاع أو سوق محلي لصدمة مؤقتة لا يعني بالضرورة تعرض كامل الاقتصاد للخطر؛ إذ توجد مصادر متعددة للدخل وأصول خارجية توفر للدولة مساحة للتحرك.
قطر.. الغاز كشبكة أمان
أما قطر، فتملك ميزة مختلفة تتمثل في قوة قطاع الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب احتياطيات مالية وخارجية كبيرة. وقد أشار صندوق النقد إلى أن الاقتصاد القطري أظهر مرونة قوية خلال الحرب، مدعوماً بالإدارة الاقتصادية السليمة والهوامش المالية والخارجية التي ساعدت على تخفيف آثار الصدمة.
كما أن توسع قطر في إنتاج الغاز الطبيعي المسال يمنحها مصدراً طويل الأجل للإيرادات، في وقت يتزايد فيه الطلب العالمي على الغاز باعتباره مصدراً رئيسياً للطاقة.
قوة الصناديق السيادية
العامل المشترك بين هذه الاقتصادات ليس فقط ارتفاع أسعار الطاقة، وإنما حجم المدخرات التي تراكمت خلال سنوات الطفرة النفطية.
فصناديق الثروة السيادية الخليجية تحولت من مجرد أدوات لاستثمار الفوائض إلى ما يشبه صمامات أمان مالية. وقد أظهرت الحرب أهمية هذه الصناديق، إذ بدأت بعض دول الخليج مراجعة طريقة توظيف استثماراتها السيادية لمواجهة الضغوط المالية الناجمة عن الصراع، وفق رويترز.
لكن قوة الاقتصادات الخليجية لا تعني أن الحرب لم تترك آثاراً، فقد خفضت اضطرابات هرمز صادرات النفط ورفعت تكاليف الشحن والتأمين، كما أثرت في ثقة المستثمرين والنشاط السياحي والتجاري.
وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن يتباطأ نمو الاقتصاد السعودي في 2026 إلى 3.2%، مع تراجع صادرات النفط بنحو الثلث بسبب قيود الشحن، وإن كان النشاط غير النفطي مرشحاً للبقاء أكثر صموداً.
الحرب، رغم كلفتها العالية، إلا أنها كشفت أيضاً نجاح جزء من التحول الاقتصادي الخليجي: لم تعد اقتصادات المنطقة رهينة سعر برميل النفط وحده، كما كانت في أزمات سابقة.
ومن السعودية إلى الإمارات وقطر، أصبح لدى دول الخليج احتياطيات ضخمة، وأصول عالمية، وقطاعات غير نفطية، وبنية مالية ومصرفية أكثر عمقاً، وقدرة على ضخ الإنفاق والاستثمار عندما تتراجع بعض مصادر الدخل.
ولهذا ربما يكون أهم ما أظهرته الحرب أن الاستثمار الخليجي في التنويع الاقتصادي لم يكن مشروعاً نظرياً لما بعد النفط فقط، بل أصبح أداة لإدارة الأزمات في الحاضر؛ فحين ضربت الحرب أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، لم تتوقف الاقتصادات الخليجية، وإنما انتقلت سريعاً إلى استخدام ما راكمته خلال سنوات الرخاء لامتصاص الصدمة والحفاظ على استقرارها.