لندن: محمد الطّورة
في الأردن ما إن يصدر قرار بإعفاء مسؤول أو إنهاء خدمات موظف في مؤسسة مدنية أو عسكرية في الأردن، حتى تبدأ موجة واسعة من الأحاديث والتأويلات والتحليلات. لا يكاد القرار يجف حبره حتى يكون قد أصبح حديث المجالس ومواقع التواصل، وتبدأ الأسئلة: لماذا أُقيل؟ ومن يقف وراء القرار؟ ولمن ستذهب الوظيفة؟ وهل كانت الإقالة تمهيداً لتعيين شخص آخر؟ وما الذي حدث خلف الأبواب المغلقة؟
المشكلة ليست في طرح الأسئلة بحد ذاته؛ فمن حق الناس أن يتساءلوا، ومن الطبيعي أن يهتم المجتمع بالشأن العام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمناصب عامة أو مواقع مؤثرة. لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول التساؤلات إلى قناعات، والاحتمالات إلى حقائق، والتخمينات إلى اتهامات لا تستند إلى معلومة موثوقة.
في كثير من الأحيان، يبدو وكأن جزءاً من المجتمع يتعامل مع الوظيفة العامة على أنها حق أبدي لصاحبها، وأن بقاء المسؤول في موقعه هو الأصل، بينما إعفاؤه أو نقله أو إنهاء خدماته هو الاستثناء الذي لا بد أن تكون وراءه قصة كبيرة.
لكن السؤال البسيط الذي يغيب أحياناً عن كل هذه النقاشات هو: إذا كانت الوظيفة لا تنتهي بصاحبها، فكيف وصلت أصلاً إلى من يشغلها اليوم؟
فالمناصب، مهما كانت أهميتها، ليست ملكاً شخصياً. والوظيفة العامة ليست إرثاً ينتقل من شخص إلى آخر، ولا يفترض أن تكون حكراً على اسم أو عائلة أو مجموعة بعينها. هناك من يتولى منصباً اليوم ويغادره غداً، كما سبقه آخرون وسيأتي بعده آخرون. وهذه سنة طبيعية في الإدارة والدولة والمؤسسات.
الأكثر غرابة أن بعض الناس يتعاملون مع كل إقالة وكأنها لغز سياسي يحتاج إلى فك شفرته. فإذا أُعفي شخص من منصبه، قيل إن القرار جاء من أجل تمهيد الطريق لشخص آخر. وإذا عُيّن شخص جديد، قيل إن الإقالة السابقة كانت معدة من أجله. وكأن حركة التغيير الإداري لا يمكن أن تكون لها أسبابها الخاصة، بل لا بد أن تكون جزءاً من سيناريو متكامل أُعد مسبقاً.
وقد يصل الأمر أحياناً إلى تداول أسماء واتهامات وتفسيرات لا يعرف أحد مصدرها، ثم تتناقلها الألسن حتى تكتسب، بكثرة تكرارها، مظهراً زائفاً من المصداقية.
وهنا تكمن الخطورة.
فليس كل ما يُقال خلف الكواليس حقيقة، وليس كل ما يُتداول في مجموعات التواصل الاجتماعي معلومة، وليس كل تحليل يقدمه شخص يمتلك معلومات خاصة. أحياناً يكون الإنسان أمام فراغ في المعلومات، فيملأه بخياله، ثم يأتي شخص آخر فيضيف إليه تفصيلاً، ثم ثالث يبني عليه رواية كاملة، وفي النهاية يصبح لدينا “خبر” لم يبدأ أصلاً بخبر.
والأمر لا يقتصر على الإقالات في القطاع المدني، بل يمتد كذلك إلى التغييرات في المواقع العسكرية والأمنية، حيث تكون طبيعة العمل والمؤسسة مختلفة، وقد تكون هناك اعتبارات تنظيمية ومهنية لا تكون متاحة للرأي العام أصلاً. وفي مثل هذه الحالات تحديداً، يصبح من غير المنطقي بناء روايات كاملة على أساس ما يعتقده الناس أو ما سمعوه من شخص “يعرف شخصاً يعرف التفاصيل”.
هذا لا يعني أن كل قرار إداري فوق النقد أو أن كل إعفاء يجب أن يُقبل دون نقاش. على العكس، الشفافية والمساءلة أمران مهمان في إدارة الشأن العام. وإذا كان هناك سبب معلن للقرار، فمن حق الناس مناقشته وتحليله. وإذا كانت هناك معلومات موثقة عن تجاوز أو مخالفة أو فساد، فالمكان الطبيعي لها هو المؤسسات المختصة والجهات الرقابية والقضائية، لا ساحات الإشاعات.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين النقد المبني على معلومة وبين اختراع قصة لسد نقص المعلومات.
ربما نحتاج في مجتمعنا إلى أن نتقبل فكرة بسيطة: المسؤول موظف في نهاية المطاف، مهما كان موقعه، وليس مخلداً في منصبه.
قد يأتي إلى الموقع بكفاءة، ويخدم فيه سنوات، ثم تنتهي مهمته لأسباب إدارية أو تنظيمية أو مرتبطة بتغيير في السياسات أو الأولويات، وقد يُنقل إلى موقع آخر أو يعود إلى حياته المهنية السابقة. وليس بالضرورة أن تكون وراء كل نهاية خدمة مؤامرة، أو خصومة، أو صفقة، أو صفقة تعيين بديلة.
والأهم من ذلك أن خروج شخص من منصبه لا ينبغي أن يُفهم تلقائياً على أنه إدانة له، كما أن تعيين شخص آخر لا يعني بالضرورة أنه حصل على الموقع نتيجة مؤامرة أو واسطة. الحكم على الأشخاص يحتاج إلى أدلة، لا إلى الانطباعات.
أما السؤال المتكرر: “لماذا أُقيل فلان؟” فهو سؤال مشروع عندما يكون المقصود فهم القرار العام، لكنه يصبح مشكلة عندما يتحول إلى بحث محموم عن رواية سرية لا دليل عليها.
ولعل الأجدى أن نسأل أسئلة أخرى أكثر نفعاً: ما طبيعة المنصب؟ ما مدة شغله؟ ما المعايير التي تحكم التعيين والإعفاء؟ هل توجد أنظمة واضحة؟ وهل يجري تقييم المسؤولين وفق الأداء والنتائج؟ وهل المؤسسات قادرة على ضمان انتقال المسؤوليات بسلاسة دون أن تتوقف الدولة على الأشخاص؟
هذه الأسئلة أهم بكثير من معرفة “من وراء الإقالة” إذا لم تكن لدينا معلومات موثوقة.
الدولة لا تُدار بمنطق الأشخاص الخالدين في مواقعهم، وإنما بمنطق المؤسسات التي تستمر رغم تغير شاغلي المناصب. وكلما ترسخت هذه الثقافة، أصبح انتقال المسؤولين أمراً طبيعياً لا يستدعي كل هذا القلق والتكهن.
في النهاية، سيأتي مسؤول بعد مسؤول، وسيغادر مسؤول بعد مسؤول، وستتغير المواقع كما تتغير الأولويات. أما ما يبقى فهو المؤسسة، والقانون، والمصلحة العامة.
لذلك، ربما آن الأوان أن نتعامل مع الإقالات والتعيينات باعتبارها جزءاً من دورة العمل الإداري، وأن نترك مساحة للتساؤل المشروع، لكن من دون أن نحول كل قرار إلى رواية، وكل رواية إلى اتهام، وكل اتهام إلى “حقيقة” لا يعرف أحد مصدرها.
فليس كل تغيير وراءه سر، وليس كل إقالة وراءها مؤامرة، وليس كل تعيين جديد كان ينتظر دوره في الخفاء. أحياناً يكون الأمر ببساطة: انتهت مهمة موظف، وبدأت مهمة موظف آخر ، فالدولة لا تُدار بمنطق الأشخاص الخالدين في مواقعهم، وإنما بمنطق المؤسسات التي تستمر في الأداء والعمل المؤسسي.