لندن: محمد الطّورة
حين يصنع القائد الوفاء… يصبح قدوة للدولة كلها
استوقفتني بكل ما حملته من معانٍ تلك الصورة التي جمعت جلالة الملك عبدالله الثاني برفاق السلاح، في مشهد جسّد أسمى معاني الوفاء والتقدير لمن أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن. وبوصفي أحد المتقاعدين من الخدمة المدنية، بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل داخل الوطن وخارجه، لم أرَ في ذلك مجرد لقاء عابر، بل نهجًا ملكيًا راسخًا يؤكد أن الوفاء لأبناء الوطن المخلصين لا تحدّه سنوات الخدمة، وأن العطاء الصادق لا ينتهي بانتهاء الوظيفة، بل يبقى حاضرًا في ذاكرة الوطن وقيادته. وأحسب أن هذه السنوات التي أفناها آلاف المتقاعدين في خدمة الوطن تستحق أن تظل محل تقدير واهتمام من قبل كافة المسؤولين، ليس بالكلمات فحسب، بل بإتاحة الفرصة لهم، كلٌّ في مجال خبرته واختصاصه، للمشاركة في الفعاليات الوطنية التي يرعاها جلالة الملك أو تنظمها مؤسسات الدولة في الداخل والخارج، تقديرًا لعطائهم، وترسيخًا لثقافة الوفاء التي أرساها جلالته، وتأكيدًا على أن الخبرة الوطنية تبقى رصيدًا للوطن يستحق الاحترام والاستفادة.
هذا اللقاء يؤكد أن لقاء جلالة الملك عبدالله الثاني بمجموعة من رفاق السلاح المتقاعدين لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي أو مناسبة عابرة، بل كان رسالة وطنية عميقة عنوانها الوفاء لمن خدموا الوطن، ورسالة تؤكد أن العطاء الصادق لا ينتهي بانتهاء الخدمة، وأن الإنسان يبقى محل تقدير واحترام مهما تغيرت المواقع والمناصب.
إن هذا المشهد يطرح سؤالاً مشروعاً أمام كل من يتولى مسؤولية في مؤسسات الدولة ودوائرها: لماذا لا يصبح هذا النهج ثقافة مؤسسية؟ ولماذا لا يخصص المسؤولون جزءاً من وقتهم للقاء زملائهم المتقاعدين الذين أفنوا سنوات عمرهم في خدمة مؤسساتهم ووطنهم؟
فهل وقت أي مسؤول أثمن من وقت قائد الوطن؟ فإذا كان جلالة الملك، بكل مسؤولياته وأعبائه، يجد الوقت ليصافح رفاق السلاح ويستمع إليهم ويكرم مسيرتهم، فما الذي يمنع بقية المسؤولين من الاقتداء بهذا النهج الإنساني الراقي؟
إن المتقاعد لا يبحث عن منصب، ولا ينتظر مكسباً، لكنه يتطلع إلى كلمة وفاء، ومصافحة تقدير، ولقاء يشعره بأن سنوات إخلاصه لم تُنسَ. وهذه اللفتات، وإن بدت بسيطة، تترك أثراً بالغاً في النفوس، وترفع الروح المعنوية، وتعزز الانتماء، وتؤكد أن مؤسسات الدولة لا تنسى أبناءها الذين صنعوا إنجازاتها.
إن المؤسسات العظيمة لا تُقاس فقط بما تحققه من إنجازات، بل أيضاً بقدرتها على حفظ الجميل لمن أسهموا في بنائها. فالمتقاعد ليس صفحة أُغلقت، بل هو جزء من ذاكرة المؤسسة، وخبراتها، وتاريخها.
ومن هنا، فإنني أدعو جميع أصحاب المناصب العليا، ورؤساء المؤسسات والدوائر الرسمية في وطني الحبيب، إلى أن يحذوا حذو جلالة الملك في هذا النهج المبارك، وأن يجعلوا لقاء المتقاعدين تقليداً دائماً، لا مناسبة استثنائية. فمثل هذه المبادرات تبني جسور الوفاء بين الأجيال، وتعزز قيم الاحترام والتقدير، وترسخ ثقافة الاعتراف بالجهد والإخلاص.
لقد أثبت جلالة الملك مرة أخرى أن القيادة ليست قرارات تُتخذ فحسب، بل هي أيضاً قيم تُمارس، ووفاء يُجسد، وإنسانية تلامس القلوب قبل العقول. وما أحوجنا اليوم إلى أن تتحول هذه الرسالة الملكية إلى سلوك مؤسسي يقتدي به الجميع، ليبقى الوفاء عنواناً دائماً في وطن الوفاء.

