ليست القدس مدينة عادية في الذاكرة العربية والإسلامية والمسيحية، وليست قضية يمكن اختزالها في حدود الجغرافيا أو في تفاصيل الصراع السياسي. إنها مدينة تختصر تاريخاً طويلاً من الحضارة والأديان والثقافات، وتحمل في مقدساتها إرثاً إنسانياً يتجاوز حدود المنطقة. ولهذا بقيت القدس في قلب الوجدان الأردني، وظلت الوصاية الهاشمية على مقدساتها الإسلامية والمسيحية عنواناً لمسؤولية تاريخية متواصلة.
وتكتسب هذه الوصاية خصوصيتها من امتدادها التاريخي، ومن الدور الذي اضطلعت به القيادة الهاشمية في رعاية المقدسات والحفاظ على هويتها ومكانتها، وصولاً إلى جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي جعل حماية القدس ومقدساتها والدفاع عن الوضع التاريخي والقانوني القائم فيها ثابتاً من ثوابت الموقف الأردني.
فالوصاية الهاشمية ليست مجرد علاقة رمزية بالمقدسات، وإنما مسؤولية تتطلب حضوراً سياسياً ودبلوماسياً وقانونياً وإعلامياً مستمراً، خصوصاً في ظل التطورات التي تشهدها المدينة المقدسة، ومحاولات تغيير الواقع القائم وفرض وقائع جديدة تمس هويتها ومكانتها.
ويبرز المسجد الأقصى المبارك في قلب هذه المسؤولية؛ فهو ليس مجرد مكان للعبادة، وإنما أحد أهم رموز القدس وهويتها، وأي مساس بوضعه التاريخي والقانوني يمثل مساساً بجوهر المدينة ومكانتها. ومن هنا تأتي أهمية الموقف الأردني الثابت في حماية الوضع القائم، والتأكيد على أن إدارة شؤون المسجد الأقصى المبارك تتم وفق الواقع التاريخي والقانوني المعروف.
وفي المقابل، فإن حماية القدس لا تقتصر على حماية المقدسات وحدها. فالمدينة هي أيضاً أهلها ومؤسساتها ومدارسها وبيوتها وتراثها ومعالمها التاريخية. ولذلك فإن صمود المقدسيين وحماية وجودهم في مدينتهم يشكلان جزءاً أساسياً من الحفاظ على هوية القدس.
ومن هنا تبرز أهمية استمرار الأردن في توثيق ما يجري في القدس، ومتابعة الاعتداءات والانتهاكات، وإيصال الحقائق إلى المجتمع الدولي، إلى جانب دعم المؤسسات التي تعمل على حفظ الذاكرة المقدسية وتعزيز الوعي العربي والدولي بمكانة المدينة.
كما أن القدس لا يمكن فصلها عن محيطها الفلسطيني، ولا عن التطورات في الضفة الغربية. فالاستيطان، ومصادرة الأراضي، واعتداءات المستوطنين، والتهجير، ومحاولات تغيير الواقع الديموغرافي، كلها عوامل ترتبط بصورة مباشرة بمستقبل المدينة ومكانتها.
إن التحدي اليوم يتمثل في تحويل الوصاية الهاشمية إلى منظومة متكاملة من العمل المؤسسي المتجدد، تجمع بين الدبلوماسية والسياسة والقانون والإعلام والتوثيق، وتواكب أدوات العصر، وتخاطب الرأي العام العالمي بلغة حديثة، وتحافظ في الوقت ذاته على الرواية التاريخية والقانونية للقدس.
فالوصاية الهاشمية قوة تاريخية، لكنها أيضاً مسؤولية متجددة، وكل مرحلة تفرض أدواتها الجديدة. وما تحتاجه القدس اليوم هو أن تتكامل الإرادة السياسية الأردنية مع مؤسسات وطنية فاعلة، وخبرات قانونية وإعلامية وأكاديمية، وشبكة عربية ودولية واسعة، لتبقى قضية القدس حاضرة في المحافل الدولية وفي الوعي العالمي.
وستظل القدس في صدارة الاهتمام الأردني، وستبقى الوصاية الهاشمية على مقدساتها الإسلامية والمسيحية عنواناً لمسؤولية تاريخية راسخة، لا تتغير بتغير الظروف ولا تخضع لمنطق الأمر الواقع.
فالقدس أمانة، والوصاية مسؤولية، وحمايتها ليست دفاعاً عن الماضي وحده، بل حماية لهوية مدينة ومستقبل أجيال بأكملها.
كاتب ومحلل سياسي
رئيس الجالية الأردنية في بريطانيا

