لندن: محمد الطّورة
أكتب هذا المقال، لا بصفتي متابعًا لما حققته دبي من إنجازات، بل بصفتي شاهدًا على رحلة نهضتها منذ خطواتها الأولى. فمنذ أن وطئت قدماي أرض دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1978، لألتحق بعملي في الدائرة الخاصة للمغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، تشرفت بأن أعيش عن قرب مرحلةً استثنائية من تاريخ هذا الوطن، وأن أرى بأم عيني كيف تحولت الأحلام إلى واقع، والرؤى إلى إنجازات، والطموحات إلى قصة نجاح ألهمت العالم.
على مدى ما يقارب خمسة عقود، تابعت دبي وهي تنمو عامًا بعد عام، ومشروعًا بعد مشروع، حتى أصبحت مدينةً عالميةً يشار إليها بالبنان، ووجهةً للملايين من السياح والمستثمرين ورواد الأعمال. كما شهدت النهضة الشاملة التي عاشتها دولة الإمارات في مختلف القطاعات، حتى غدت نموذجًا عالميًا في التنمية والابتكار، بفضل القيادة الحكيمة التي وضعت الإنسان في قلب عملية البناء.
ومن واقع هذه التجربة، أقول بثقة إن ما أكتبه اليوم ليس انطباعًا عابرًا، ولا قراءةً من بعيد، بل شهادة رجل عاش التجربة، وواكب مراحلها، ورأى كيف استطاعت القيادة الإماراتية، بدءًا من الرؤية التأسيسية للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وصولًا إلى مواصلة المسيرة بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وبالرؤية الطموحة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حفظه الله، أن تجعل من الإمارات نموذجًا عالميًا في التنمية، ومن دبي أيقونةً للنجاح.
ليست المدن العظيمة تلك التي لا تعرف الأزمات، بل تلك التي تعرف كيف تحولها إلى محطات جديدة للنجاح. ودبي، منذ أن اختارت أن تراهن على المستقبل لا على الواقع، أثبتت أن الإنجازات الحقيقية لا تُقاس بحجم التحديات التي تواجهها، بل بقدرتها على تجاوزها، والاستمرار في صناعة الفرص عندما يراها الآخرون مستحيلة.
هذه المدينة لم تُبنَ على وفرة الموارد، وإنما على وفرة الطموح. ولم تصل إلى مكانتها العالمية بضربة حظ، بل برؤية استثنائية آمنت بأن المستقبل لا يُنتظر، وإنما يُصنع بالإرادة والابتكار والعمل الدؤوب. ومن خلال هذه الرؤية، تحولت دبي إلى واحدة من أبرز المراكز العالمية في السياحة والاستثمار والتجارة وريادة الأعمال، وأصبح اسمها حاضرًا في كل نقاش يتعلق بالمدن الأكثر تأثيرًا في الاقتصاد العالمي.
ويقف وراء هذه المسيرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الذي لم ينظر إلى حدود الممكن، بل إلى آفاق الطموح. فكانت فلسفته أن التميز ليس هدفًا مؤقتًا، وإنما أسلوب حياة، وأن النجاح لا يتحقق إلا بالجرأة في اتخاذ القرار، والاستثمار في الإنسان، والانفتاح على العالم. وبفضل هذه الرؤية، أصبحت دبي قصة نجاح عالمية، ونموذجًا تحتذي به مدن كثيرة في مختلف القارات.
ولا يمكن الحديث عن نجاح دبي بمعزل عن نجاح دولة الإمارات العربية المتحدة. فالإمارة كانت ولا تزال جزءًا أصيلًا من مشروع وطني متكامل، يقوم على قوة الاتحاد، ووحدة الهدف، وتكامل الرؤى بين القيادة الاتحادية والقيادات المحلية. وهذا التكامل هو أحد أهم أسرار النجاح الإماراتي الذي لفت أنظار العالم.
واليوم، تواصل دولة الإمارات ترسيخ مكانتها بين أكثر دول العالم تقدمًا في الاقتصاد، والابتكار، والذكاء الاصطناعي، والاستدامة، واستشراف المستقبل، في ظل قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، الذي يقود مسيرة التنمية برؤية استراتيجية، ويعزز مكانة الإمارات بوصفها دولةً تبني شراكات عالمية، وتستثمر في الإنسان، وتؤمن بأن التنمية المستدامة هي الطريق الحقيقي إلى المستقبل.
إن نجاح دبي هو نجاح للإمارات، كما أن قوة الإمارات تنعكس على دبي. فالعلاقة بينهما ليست علاقة جزء بكل، بل علاقة تكامل جعلت من الدولة نموذجًا تنمويًا استثنائيًا، تتلاقى فيه الطموحات، وتتحد فيه الجهود، وتتكامل فيه الرؤى من أجل هدف واحد: أن تبقى الإمارات في مقدمة الأمم.
صحيح أن الاقتصاد العالمي يشهد تحولات متسارعة، وأن المنافسة بين المدن العالمية أصبحت أكثر حدة، لكن ذلك لا يقلل من قوة دبي، بل يدفعها إلى مزيد من التطور والابتكار. فالمدينة التي نجحت في بناء ثقة المستثمرين عبر عقود، واستقطبت ملايين الزوار بفضل بنيتها التحتية المتقدمة وتشريعاتها المرنة، تمتلك من المقومات ما يجعلها أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات، وأكثر استعدادًا لصناعة المرحلة المقبلة.
لقد أثبتت التجارب أن دبي لا تنتظر الظروف المثالية كي تنجح، بل تصنع من كل تحدٍ فرصة جديدة للانطلاق. ولهذا، فإن كل من راهن في الماضي على تراجعها وجد نفسه أمام مدينة تعود في كل مرة أكثر قوة، وأكثر حضورًا، وأكثر تأثيرًا.
إن مستقبل دبي لا يُبنى على الأمنيات، بل على سجل طويل من الإنجازات، ورؤية لا تعرف المستحيل، وقيادة تؤمن بأن التقدم عملية مستمرة لا تتوقف عند نجاح تحقق أو رقم أُنجز. ولهذا، فإن الثقة بقدرة دبي على النهوض ليست عاطفة، بل قراءة تستند إلى تجربة امتدت منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، أثبتت أن هذه المدينة جعلت من التحديات وقودًا للنجاح.
ستنهض دبي، وستواصل دورها قبلةً للسياحة والاستثمار، ليس لأنها مدينة جميلة فحسب، بل لأنها مدينة تمتلك رؤية، وقيادة، ومؤسسات، واقتصادًا مرنًا، وبيئةً جاذبةً للعقول ورؤوس الأموال. وستظل، مع بقية إمارات الدولة، عنوانًا لمسيرة إماراتية استثنائية أثبتت للعالم أن الطموح حين يقترن بالحكمة والعمل، يصبح واقعًا يراه الجميع.
وهكذا ستبقى دبي عصية على التراجع، كما ستبقى الإمارات نموذجًا لدولة صنعت مستقبلها بإرادة قيادتها، وبإيمان شعبها، وبنهجٍ يقوم على أن الإنجاز ليس محطة وصول، بل بداية لطموح جديد. وما أقوله اليوم ليس توقعًا، بل شهادة شاهدٍ عاش البدايات، ورأى المسيرة، ويؤمن بأن المستقبل يحمل لدبي والإمارات صفحاتٍ أكثر إشراقًا مما مضى.

