لندن: العموم نيوز
* توجه دولي للتحقيق في مصادر أموال وممتلكات أصحاب النفوذ
* لن تستثى أي دولة أو مسؤول عليه شبهه فساد من هذا التوجه
* دراسة آليات لمعرفة مصير القروض والمساعدات الدولية التي تمنح لبعض الدول
* تتبع الأصول المشبوهة،لبعض المسؤولين وفق إجراءات قانونية رسمية عند إقرارها.
لم يعد الفساد المالي رقماً مفقوداً في موازنة الدول ولا مخالفة إدارية عابرة؛ إنه اعتداء مباشر على حق الناس في العلاج والتعليم والسكن والعمل والخدمات. فكل مال يُهدر أو يُختلس من خزينة الدولة يعني مستشفى أقل، ومدرسة أضعف، وفرصة عمل ضائعة، وأسرة أخرى تُدفع إلى الفقر والحرمان.
ولا يبدأ نهب المال العام دائماً بسرقة ظاهرة. فقد يبدأ بعقد غامض، أو استثناء غير مبرر، أو نفوذ يُستخدم لتجاوز القانون، ثم تتسع الدائرة عبر شركات واجهة ووسطاء وتحويلات مالية معقدة وأصول تُسجل بأسماء أقارب أو مقربين. عندها لا تكون القضية مجرد تجاوز مالي، بل منظومة متكاملة لإخفاء المال المنهوب وإبعاده عن يد العدالة.
إن ما يُنشر في عدد من الدول عن التدقيق في الأموال السياسية والحسابات المشبوهة، وتشديد قواعد التبرعات القادمة من الخارج، وملاحقة الأصول التي تحوم حولها شبهات، يكشف عن تحول مهم: المنصب العام لم يعد، في كثير من التجارب، حصناً دائماً يمنع السؤال أو التحقيق. فالسلطة أمانة مؤقتة، وليست امتيازاً شخصياً أو غطاءً للثراء غير المشروع.
وتشير معلومات حصلت عليها «العموم نيوز» من مصادر خاصة إلى وجود نقاشات واتصالات تُدرس على مستويات دولية لتعزيز التدقيق في مصير القروض والمساعدات المدنية والعسكرية المقدمة إلى بعض الدول، والتحقق من أوجه إنفاقها عبر مخاطبة الجهات المختصة فيها. كما تتحدث المصادر عن توجه قانوني دولي محتمل لتوسيع أدوات تتبع الأصول والحسابات المرتبطة بكبار المسؤولين وأسرهم والمقربين منهم، داخل بلدانهم وخارجها، متى توافرت شبهات جدية أو أدلة قانونية على أن تلك الأموال أو الممتلكات نتجت عن فساد أو استغلال للمنصب.
وتضيف المصادر أن أي آلية دولية محتملة لتتبع الحسابات والأصول لن تقتصر على البحث في أرصدة سابقة، بل قد تشمل مراقبة الحركة المالية ذات الصلة منذ تاريخ بدء إجراءات التتبع رسمياً، بما في ذلك التحويلات بين الحسابات، ونقل الملكية، والتصرف في الأصول. ووفقاً للمعلومات المتداولة، فإن أي تحويلات أو ترتيبات مالية تُجرى بقصد إخفاء المصدر الحقيقي للأموال أو إبعادها عن نطاق التحقيق قد تخضع للتدقيق والمساءلة.
كما تشير المصادر إلى أن أي قرارات أو قوانين أو تعليمات رسمية قد تصدر مستقبلاً في هذا الشأن يمكن أن تمنح الجهات المختصة صلاحية فحص التحويلات والتصرفات اللاحقة لبدء نفاذها، بما في ذلك نقل الأموال أو الأصول بين أفراد العائلة أو الشركات المرتبطة بهم، متى وُجدت شبهة جدية بأن الغرض منها هو التهرب من الرقابة أو عرقلة استرداد أموال عامة. وفي هذه الحالات، قد تُطعن في تلك التصرفات قانونياً أو تُعلّق آثارها أو تُبطل بحكم قضائي، بحسب القانون المختص والإجراءات القضائية الواجبة.
اليوم لم يعد غياب الرقابة المحلية، أو ضعف المؤسسات، أو اتساع النفوذ، ضمانة دائمة لمن يسيء التصرف في المال العام. فالمشهد المالي والقانوني الدولي يتجه، بصورة متزايدة، نحو تشديد التدقيق في حركة الأموال والأصول ومصادر الثروة، ولا سيما عندما تقترن بشبهات فساد أو استغلال للمنصب أو تبديد للموارد العامة.
وفي عالم تتشابك فيه المصارف والسجلات التجارية والتحويلات والاستثمارات العابرة للحدود، لا تكفي الأسماء الوهمية أو الشركات الوسيطة أو نقل الملكية إلى مقربين لإغلاق الطريق أمام الحقيقة. فكل معاملة تترك أثراً، وكل أصل له سجل، وكل مال غير مشروع قد يصبح موضع مساءلة متى توافرت الأدلة القانونية والتعاون بين الجهات المختصة.
نحن على قناعة أن محاربة الفساد لا تُبنى على الشائعات أو التشهير أو تصفية الحسابات السياسية. الطريق الصحيح هو تحقيق مستقل، وأدلة موثقة، وقضاء نزيه، وضمانات تحمي الأبرياء وتمنع إفلات المتورطين. فلا عدالة بلا قانون، ولا قانون محترماً إذا كان يُطبق على الضعفاء ويستثني أصحاب النفوذ.
إن استرداد الأموال المنهوبة ليس إجراءً مالياً فقط؛ إنه استرداد لهيبة الدولة وثقة الشعب. وكل مال يثبت قضائياً أنه نتاج اختلاس أو رشوة أو استغلال للمنصب يجب أن يعود إلى الخزينة العامة، وأن يُوجَّه إلى المستشفيات والمدارس والبنية التحتية وفرص العمل ودعم الفئات الأكثر حاجة.
المطلوب اليوم ليس مزيداً من الشعارات، بل منظومة واضحة: شفافية في العقود العامة، وإفصاح قانوني عن الذمم المالية، وحماية للمبلغين والصحافة الاستقصائية، واستقلال حقيقي للقضاء وهيئات النزاهة، وتعاون دولي في تتبع الأصول. فالمساءلة التي لا تُرى، والعدالة التي تتأخر بلا تفسير، تفتحان الباب أمام الشك وفقدان الثقة.
هذه رسالة تنبيه لكل من مد يده إلى المال العام: الحساب لا يسقط بالنفوذ، والوثائق لا تموت، وحقوق الشعوب لا تتحول إلى ملكية خاصة. قد تتأخر العدالة، لكنها لا ينبغي أن تغيب. ومن يثبت أمام القضاء أنه خان الأمانة العامة، يجب أن يواجه القانون، وأن تُسترد الأموال، وأن يعرف الجميع أن ثروة الشعب ليست مباحة.
وتؤكد «العموم نيوز» أن المعلومات المتعلقة بالتوجهات الدولية المشار إليها ما تزال في إطار المتابعة الصحفية، وأن أي إجراءات ملزمة لا تكتسب صفتها القانونية إلا بعد صدورها عن الجهات المختصة ونشرها بصورة رسمية.

