لندن: محمد الطّورة
أدرك منذ اللحظة الأولى أن طلبي هذا قد يثير زوبعة من الأسئلة لدى البعض، وربما يواجه بالاستهجان أو الرفض لدى آخرين. وأعلم أن الأقلام ستتحرك، وأن الآراء ستنقسم بين مؤيدٍ يرى في هذا الطرح حقًا مشروعًا لخدمة الوطن من خلال موقع متقدم، ومعارضٍ يراه خروجًا عن المألوف؛ بين من يحسن الظن ومن يفسر النوايا بمنظار الشك.
ليس عيبًا ولا غرورًا أن يزكّي الإنسان نفسه لخدمةٍ وطنية، حين يجد أن خبرته وسيرته وقدرته على العطاء لا تجد من يقدّمها أو يعرّف بها؛ لا لقصورٍ فيها، بل لأن معايير التزكية أحيانًا قد تنصرف عن المهنية والخبرة والكفاءة إلى اعتباراتٍ أخرى لا تمت إلى العمل العام بصلة لا مجال لذكرها في هذا المقال .
فالتزكية هنا ليست ادعاءً للفضل، ولا انتقاصًا من الآخرين، وإنما هي إعلان استعدادٍ لتحمل المسؤولية، ووضعٌ صريح للسيرة والخبرة أمام الوطن وأصحاب القرار، ليكون الحكم في النهاية للكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة الناس.
لقد تزامن نشر هذا المقال، الذي قد يبدو غير مألوف للبعض، مع ما أُثير من أخبار حول طلب رئيس الوزراء الأردني من وزير العمل تقديم استقالته، على خلفية ما تردد عن استغلال نجل الوزير لمنصب والده في التقدم إلى مناقصات حكومية، بما قد يتعارض مع منظومة السلوك الوظيفي التي تؤكد منع استغلال المسؤولية العامة لتحقيق منفعة شخصية للمسؤول أو لأيٍّ من أفراد أسرته.
ومع أن هذا التزامن يضع موضوع النزاهة وصون المنصب العام في صلب النقاش، فإنني لست بصدد الخوض في تفاصيل تلك القضية، ولا إصدار حكم بشأنها، تاركًا الأمر للجهات المختصة لتقول كلمتها وفق القانون والإجراءات المرعية.
وإنما أذكر ذلك من باب التأكيد على مبدأٍ لا خلاف عليه: أن المنصب العام أمانة، وأن المسؤول لا يملك موقعه ولا نفوذه، بل يحمل تكليفًا مؤقتًا لخدمة الدولة والناس، بعيدًا عن أي منفعة شخصية أو عائلية.
لكنني، ومن وحي خبرتي الطويلة في الحياة العامة وخدمة الدولة، أتقدم بهذا الطلب وأنا على إدراك وقناعة بما سيثار حوله من لغط، وقاش وما قد يرافقه من نقد أو تعليق. بل كنت على دراية تامة بأن هناك من سيستند إلى المقولة المأثورة: «طالب الولاية لا يُولّى»، وأن طلبي قد يبدو غريبًا أو مستهجنًا في نظر البعض.
غير أنني أرى أن الفرق كبير بين من يطلب المنصب لنفسه، ومن يتقدم لتحمل المسؤولية حين يعتقد أن لديه من الخبرة والنزاهة والقدرة ما يمكن أن يقدمه للوطن والناس. فليس كل طلبٍ للولاية طمعًا، وليس كل صمتٍ عنها زهدًا؛ إذ قد يكون التقدم في بعض المواقف واجبًا تمليه الأمانة، ويقتضيه الشعور بالمسؤولية.
ومن هذا المنطلق، فأنني أترشح لشغل حقيبة وزارة العمل، خلفًا للوزير المستقيل في حال نسبني لهذا الموقع دولة رئيس الوزراء، لا طلبًا للجاه، ولا سعيًا وراء لقب، ولا بحثًا عن منفعة شخصية؛ بل لأنني أؤمن أن الوطن حين يحتاج إلى أبنائه، يصبح التقدم لخدمته واجبًا لا يجوز التأخر عنه.
لقد كانت مسيرتي الطويلة في خدمة الوطن، في الداخل والخارج، مدرسةً واسعة علّمتني أن المسؤولية ليست لقبًا، بل أمانة تُصان. فقد منحتني تلك التجربة فرصةً عميقة للتعلم، وفهم أولويات العمل العام، وإدراك أن نجاح المسؤول لا يقاس بما يحققه لنفسه، بل بما يحفظه للدولة وما يقدمه للناس.
وتعلمت خلال تلك المسيرة أن أملاك الدولة ليست ملكًا للمسؤول ولا لمن حوله، بل هي حقٌ عام وأمانة في أعناق من يتولون المسؤولية. كما تعلمت أن المنصب لا يجوز أن يُستغل لتحقيق منفعة شخصية، أو لتقديم مصلحة فئة على حساب أخرى، أو لصناعة نفوذٍ لا يخدم الوطن.
وأدركت كذلك أن الاصطفافات الضيقة، مهما اختلفت أشكالها ومسمياتها، لا تبني دولة ولا تحل مشكلة، بل تضعف الثقة وتؤخر الإنجاز. لذلك كنت وما زلت أؤمن بأن المعيار الوحيد في العمل العام يجب أن يكون مصلحة الأردن والمواطن، بعيدًا عن الانحيازات والحسابات الخاصة.
أحين يتعلق الأمر بخدمة الناس فأنني شخص محايد؛ لا أفرّق بين مواطن وآخر، ولا أنظر إلى اسم أو لقب أو عشيرة أو موقع. فالمواطن الأردني، أينما كان ومن أي محافظة أو بيئة جاء، له الحق ذاته في الاحترام، وفي فرصة العمل، وفي الكرامة، وفي أن يجد مسؤولًا يسمع له دون حسابات أو مصالح.
خلال مسيرتي الطويلة لم يصدر بحقي أي حكم قضائي بتهمة فساد أو اختلاس أو رشوة. فقد آمنت دائمًا بأن القسم أمانة، وأن المال العام حرمة، وأن النزاهة ليست كلماتٍ تُقال، بل سيرةٌ تُحفظ ومواقف تُثبت.
لا أملك أجندة خاصة، ولا أسعى إلى مكسب شخصي، ولا أبحث عن منفعة لي أو لمن حولي. ثروتي الحقيقية هي سمعتي التي بنيتها طوال ستة عقود بين أبناء الأردن، وثقة من عرفني، واعتزازي بأهلي وأبناء عشيرتي الذين أفتخر بما قدموه للوطن، كما أعتز بكل أبناء الأردن الذين قدموا للأردن جهدهم وعرقهم وتضحياتهم في كل مدينة وقرية ومحافظة.
وإن كان لي أن أذكر من نفسي شيئًا، فإنني لا أجعل من حديثي عنها شاهدًا لها، ولا أُقيم سيرتي بلساني؛ فالرجل لا تُعرَف قيمته بما يقول عن نفسه، وإنما بما تشهد به الأيام، وما ينطق به الذين عرفوه وخالطوه في مواقع العمل والمسؤولية.
لذلك أُحيل الحكم على مسيرتي الطويلة إلى أبناء الوطن، على اختلاف مواقعهم وألقابهم ومناصبهم، ممن جمعتني بهم سنوات الخدمة، ، وشهدوا مواقفي في الشدة قبل الرخاء، وفي المسؤولية قبل المجاملة.
وأحسب أن شهادتهم، إن قالوها، ستكون كلمة حق لا تزيّنها مصلحة ولا تحكمها مجاملة؛ شهادةً تنبع من معرفة صادقة، ومن قناعة راسخة بما رأوه من التزامٍ بالواجب، وصونٍ للأمانة، وحرصٍ على سمعة الدولة وحقوق الناس.
وتلك الشهادات ليست عندي أوراقًا تُقدَّم، ولا عباراتٍ تُستدعى، بل هي وسامٌ أضعه على صدري، ورصيدٌ من الثقة أعتز به أكثر من أي منصب؛ لأن أجمل ما يحمله الإنسان بعد رحلةٍ طويلة في خدمة الوطن هو أن يبقى اسمه محفوظًا في قلوب الناس وضمائرهم.
إن منصب وزير العمل ليست منصبًا عابرًا، بل مسؤولية تجاه شاب يبحث عن فرصة، وعامل يريد أن يعيش بكرامة، وأسرة تنتظر رزقًا حلالًا. وإذا رأت الدولة فيّ الكفاءة والقدرة، فأنا حاضر لأخدم الجميع بالعدل، وبلا انحياز، وبلا مصالح شخصية.
فالولاية قد لا تُطلب، لكن خدمة الوطن والناس لا يجوز أن نتأخر عنها حين ينادينا الواجب.

