لندن: محمد الطّورة
لماذا أكتب بالتلميح لا بالتصريح؟
تلقيت في الآونة الأخيرة سيل كبير من الأسئلة والاستفسارات من بعض القرّاء حول أسلوبي في الكتابة، وكان أبرزها: لماذا لا تسمّي الأسماء بأسمائها في مقالاتك؟ وقد تجدد هذا السؤال عقب مقالي المنشور يوم أمس تحت عنوان: «الطّورة يوجّه رسالة من لندن: إلى عطوفة المدير، هؤلاء يغردون خارج السرب وضد قناعات وتوجيهات صاحب القرار».
ولعل من حق القارئ أن يسأل، ومن واجب الكاتب أن يوضح. فالبعض قد يظن أن اللجوء إلى التلميح نوعٌ من الغموض المتعمَّد، أو هروبٌ من المواجهة، أو تردد في قول الحقيقة. غير أن الأمر، في تقديري، أعمق من ذلك وأبعد عن هذه التصورات.
فالكتابة ليست قالبًا واحدًا، ولا تخضع جميع موضوعاتها لأسلوب واحد. هناك مقالات تسمح طبيعتها بتسمية الأشخاص والجهات بوضوح؛ لأن ذلك لا يترتب عليه ضرر، ولا يمسّ خصوصية أحد، ولا يخلّ بحساسية العمل المؤسسي. وفي المقابل، توجد موضوعات تتصل بدوائر أو مؤسسات لها خصوصيتها، أو بأفراد قد يترتب على ذكر أسمائهم أثر لا يخدم الغاية من المقال.
إن الامتناع عن التصريح ليس بالضرورة خوفًا أو ترددًا، بل قد يكون ضربًا من المسؤولية الأدبية والمهنية. فالكاتب الذي يبتغي الإصلاح لا التشهير، والتنبيه لا الإثارة، ومعالجة الخلل لا صناعة الخصومة، يختار عبارته بعناية، ويجعل من التلميح وسيلة لإيصال الرسالة من غير أن يحوّل المقال إلى ساحة اتهام أو تصفية حسابات.
والتلميح، في هذا السياق، ليس لغزًا بلا معنى، بل إشارة مقصودة إلى خلل ينبغي الانتباه إليه، أو ممارسة تحتاج إلى مراجعة، أو تصرّف قد يقع عن قصد أو عن غير قصد. وهو أسلوب يترك للجهة المعنية مساحة لالتقاط الرسالة، وفهم موضع الخلل، ثم المبادرة إلى تصحيحه بعيدًا عن الضجيج.
لقد خدمت سنوات طويلة في مؤسسات حكومية، وأدركت عن قرب طبيعة العمل فيها، وما يحيط ببعض دوائرها من خصوصية وحساسية. لذلك أتحفّظ عن ذكر أسماء المؤسسات أو مسؤوليها، لا لأنني أخشى قول الحقيقة، بل لأنني أؤمن أن الحقيقة يمكن أن تُقال بأدب، وأن النقد يمكن أن يكون مسؤولًا، وأن الإصلاح لا يحتاج دائمًا إلى كشف الأسماء أو استدعاء التصفيق.
فالكاتب الذي يبحث عن الشهرة قد يرفع صوته، ويُكثر من الأسماء، ويستدعي التفاعل والجدل. أما الكاتب الذي يحمل همّ الإصلاح، فيكفيه أن تصل رسالته إلى من يعنيه الأمر، وأن يرى أثرها في تصويب المسار وتحسين الأداء.
لهذا أكتب بالتلميح حين يكون التلميح أبلغ من التصريح، وأصون الأسماء حين يكون صونها أقرب إلى العدالة، وأترك للمؤسسة أن تقرأ الإشارة وتتحمل مسؤوليتها في معالجة ما يستحق المعالجة.

