لندن: محمد الطّورة
إذا تأكد من تنقالته مواقع أخبارية بشأن طلب دولة رئيس الوزراء الأردني الدكتور جعفر حسان من وزير العمل تقديم استقالته على خلفية شبهة تعارض مصالح تتعلق بدخول نجله في عطاءات حكومية، فإن هذا القرار يستحق التقدير، لأنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن المسؤولية السياسية والأخلاقية تبدأ من أعلى هرم السلطة التنفيذية، وأن المنصب العام ليس مظلة للحماية، بل مسؤولية تستوجب أعلى درجات النزاهة والحياد.
ولا تقف أهمية القرار عند حدود الاستقالة، بل فيما يحمله من دلالة على أن الحكومة عازمة على تطبيق قواعد النزاهة وتعارض المصالح دون تردد، وأنها مستعدة لاتخاذ القرار مهما كان موقع المسؤول. فمثل هذه الرسائل هي التي تعيد ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، وتؤكد أن سيادة القانون ليست شعاراً، بل ممارسة عملية.
ولعل قرار نقل عدد من السفراء الذين أمضوا سنوات طويلة في مواقعهم، تطبيقاً لأحكام نظام السلك الدبلوماسي ومبدأ تداول المسؤولية، يأتي في الاتجاه ذاته، ويؤكد أن احترام الأنظمة يجب أن يسري على الجميع دون استثناء. فالوظيفة العامة ليست ملكاً لأحد، ولا يجوز أن تتحول إلى إقامة دائمة أو امتياز شخصي، وإنما هي تكليف لخدمة الدولة ضمن حدود القانون.
إن الالتزام بالمدد النظامية في العمل الدبلوماسي يحقق العدالة بين أبناء السلك، ويفتح المجال أمام الكفاءات، ويمنع احتكار المواقع، ويؤكد أن التمثيل الخارجي للأردن مسؤولية وطنية لا امتياز شخصي. ومن هنا، فإننا نأمل من وزير الخارجية وشؤون المغتربين أن يستكمل هذا التوجه بمراجعة شاملة وشفافة لأوضاع جميع السفراء والموظفين الدبلوماسيين الذين تجاوزوا المدد المقررة في مواقعهم، وإعادتهم أو تدويرهم وفق النظام والمعايير المهنية، دون استثناء أو انتقائية.
كما أن من الضروري وضع حد لأي خطاب يوحي بأن البقاء في موقع عام أو التمديد فيه يستند إلى دعم شخصي من جهات عليا. فمثل هذه الادعاءات، سواء كانت صحيحة أو مجرد ترويج، تسيء إلى مؤسسات الدولة وإلى من يُزجّ بأسمائهم في هذه الأحاديث، وتغذي الانطباع بأن العلاقات والنفوذ قد يتقدمان على النظام والكفاءة. الواجب أن يكون واضحاً: لا أحد يبقى في موقعه إلا بقرار مؤسسي معلن، وضمن القانون، وعلى أساس المصلحة العامة.
إن المواطن الأردني لا يطلب امتيازات، بل يطلب عدالة متساوية: أن يخضع صاحب المنصب للمساءلة كما يخضع لها أي مواطن، وأن تكون المناصب العامة تكليفاً لا تشريفاً، وألا تتحول الصلات العائلية أو النفوذ الوظيفي إلى وسيلة للحصول على مكاسب أو تجاوزات أو حماية من المحاسبة.
ومن هنا، فإننا نأمل من دولة الرئيس أن يستكمل هذا النهج بتوجيه الجهات الرقابية المختصة إلى التحرك الجاد والمهني في كل ملف تثار حوله شبهات فساد أو استغلال للوظيفة العامة أو اعتداء على المال العام، أياً كانت مواقع الأشخاص أو مناصبهم أو علاقاتهم. فلا أحد يجب أن يكون فوق القانون، ولا يجوز أن تبقى ملفات الفساد رهينة الشائعات أو التراشق الإعلامي أو الانتقائية.
وفي هذا الإطار، لا بد من التذكير بالتجربة الأخيرة لدولة عربية ، حيث شهدت تلك الدولة تحركات قضائية ورقابية أفضت إلى توقيف عدد من المتهمين في ملفات فساد وإحالتهم إلى الجهات القضائية المختصة. فالمغزى ليس في كثرة التوقيفات أو في صناعة المشهد الإعلامي، بل في أن يشعر كل من يعتدي على المال العام أو يستغل موقعه أن الدولة قادرة على الوصول إليه، وأن المنصب أو النفوذ لا يمكن أن يكونا جداراً يحول دون التحقيق والمساءلة.
وقبل ذلك، كانت هناك حملة مشابهة في احد الدول العربية لمواجهة الفساد واسترداد الحقوق، مفادها أن المكانة والثروة لا ينبغي أن تمنعا المساءلة. لكن الدرس الأهم الذي ينبغي أن نستفيده هو أن الحزم لا يكتمل إلا بالالتزام الصارم بالقانون، وبإجراءات شفافة، وبقضاء مستقل يكون صاحب الكلمة النهائية في الإدانة أو البراءة.
والأردن لا يحتاج إلى استنساخ تجارب الآخرين، بل إلى نموذج وطني أردني يجمع بين قوة الدولة وعدالة القانون: جهات رقابية تتحرك بلا تردد، وتحقيقات مهنية لا تستثني أحداً، وإحالات قضائية تستند إلى الأدلة، وقضاء مستقل يحمي المال العام ويصون في الوقت ذاته حقوق الأبرياء وكرامتهم.
إن القبض على الفاسد، إذا توافرت الأدلة القانونية بحقه، وإحالته إلى القضاء، ليس تشفياً ولا استعراضاً؛ بل هو حماية للمال العام، وصون لكرامة الوظيفة العامة، ورسالة ردع لكل من يظن أن النفوذ يمكن أن يحجب الحقيقة أو يعطل العدالة. كما أن تبرئة البريء بالقدر نفسه من الأهمية، لأنها تؤكد أن الدولة لا تُدار بالشبهات، بل بالقانون والبينة والعدالة.
إن نجاح هذا التوجه يتطلب الاستمرار والثبات والشفافية، وأن يرى المواطن نتائج ملموسة لا تقتصر على إجراءات فردية أو موسمية. فالدولة القوية هي التي تحاسب بلا تردد، وتنصف بلا تمييز، وتمنح القضاء استقلاله الكامل ليقول كلمته بعيداً عن أي ضغط أو تدخل.
إنها فرصة حقيقية أمام حكومة دولة الدكتور جعفر حسان لتعزيز ثقة الأردنيين بدولتهم، وللتأكيد أن القانون ليس نصاً يُستدعى عند الحاجة، بل قاعدة حاكمة تسري على الجميع، من أعلى موقع إلى أبسط وظيفة: لا حصانة لفاسد، ولا ظلم لبريء، ولا مكان لمن يستغل المنصب أو المال العام لتحقيق مصالح خاصة.

