التكامل المؤسسي لخدمة الوطن الطريق الأمثل لحماية المبادرات الوطنية
هذه رسالة بدافعٍ وطني صادق، وإيمانٍ راسخ بأن قوة الدولة لا تُقاس بكثرة مؤسساتها فحسب، بل بمدى ما يجمع بينها من تكامل وعدالة واحترام للجهد الوطني المخلص، وبقدرتها على تقديم المصلحة العامة فوق أي اعتبارات شخصية أو تنافسية.
إن المؤسسات الوطنية وُجدت لخدمة الوطن والمواطن، ولحماية الاستقرار وتعزيز الثقة بين الدولة وأبنائها. ومن هذا المنطلق، فإن كل مبادرة تسهم في حل أزمة، أو احتواء خلاف، أو إعادة مواطن إلى محيطه الوطني، أو فتح باب للحوار والتفاهم، يجب أن تُعامل بوصفها مكسبًا للدولة بأكملها، لا بوصفها إنجازًا خاصًا لفرد أو جهة أو مؤسسة.
ولا شك أن التنافس بين المؤسسات يمكن أن يكون إيجابيًا عندما يدفع إلى تطوير الأداء، ورفع الكفاءة، وتحسين القدرة على خدمة الوطن. لكنه يصبح خطرًا حين يتحول إلى تنافس على الظهور، أو إلى رغبة في احتكار الإنجازات، أو إلى محاولة إثبات الذات أمام القيادات عبر التقليل من جهد الآخرين أو التشكيك فيهم أو تعطيل مصالحهم.
ومن المهم التأكيد على أن عدم نجاح مؤسسة ما في إنجاز مهمة معينة، ثم نجاح جهة أخرى أو أفراد من أبناء الوطن في تحقيق نتيجة إيجابية، لا يبرر بأي حال من الأحوال أن يتحول ذلك إلى سبب لشن حملة على من ساهم في الإنجاز. فالفشل في المحاولة لا يمنح أحدًا حق الغضب من النجاح، ولا يبرر استخدام الصلاحيات أو النفوذ أو الإجراءات الإدارية لإيذاء أصحاب المبادرات أو تعطيل مصالحهم.
إن المؤسسة التي تخفق في تحقيق هدف ما، ثم ترى ذلك الهدف يتحقق بجهد آخر، ينبغي أن تنظر إلى الأمر باعتباره فرصة للمراجعة والتعلم وتطوير أدواتها، لا باعتباره خسارة شخصية أو انتقاصًا من مكانتها. فالوطن لا يقيس مؤسساته بمن نجح في الظهور، بل بمن نجح في تحقيق النتائج، وبمن تعامل مع نجاح الآخرين بروح المسؤولية والنضج.
كما أن تحويل الخلافات المؤسسية إلى ضغوط تمس حياة المواطنين أو مصالحهم أو حقوقهم، يفتح بابًا خطيرًا للشخصنة، ويضعف الثقة في العدالة الإدارية. فالمواطن الذي يبادر بحسن نية، أو يستخدم خبرته وعلاقاته لخدمة بلده، لا ينبغي أن يجد نفسه عرضة للتضييق لأنه حقق ما لم يستطع غيره تحقيقه، أو لأنه لم يدخل في حسابات المنافسة بين بعض الجهات.
إن حماية سمعة المؤسسة تبدأ من حماية مبادئها، ومن واجب كل قيادة واعية أن تمنع أي ممارسات فردية قد تُفهم على أنها انتقام أو تصفية حسابات أو استغلال للصلاحيات. فالمؤسسة القوية لا تخشى الإنجاز الذي يقع خارج إطارها، ولا تعتبره تهديدًا لها، بل تتعامل معه باعتباره دعمًا إضافيًا لمسيرة الوطن.
ومن منطلق الحرص كمواطن على مصلحة الوطن وسمعة مؤسساته، فإن المسؤولية تقتضي من أصحاب القرار في المؤسسات الحساسة أن يُسندوا المهام الدقيقة، ولا سيما الملفات التي تتطلب الحوار والإقناع واحتواء الخلافات، إلى كوادر تمتلك الخبرة المهنية، والنضج، والقدرة على التواصل، وفهم طبيعة الأشخاص والظروف. فمثل هذه المهام لا تُدار بالحماس وحده، ولا يكفي فيها حسن النية، بل تحتاج إلى خبرة متراكمة، وحكمة في إدارة الحديث، وقدرة على بناء الثقة وتقدير الفروق بين الشخصيات.
ولا يعني ذلك التقليل من قيمة الشباب أو من طاقاتهم، فهم ركيزة المستقبل، لكن الحكمة الإدارية تقتضي ألا تُحمّل الكوادر الأقل خبرة مسؤوليات تتجاوز ما اكتسبته من مهارات وتجارب. فعندما يكون الطرف الآخر صاحب تجربة وخبرة مهنية وعملية طويلة، تصبح المهمة أكثر تعقيدًا، وتحتاج إلى من يملك من النضج والوعي ما يمكّنه من إدارة الحوار باحترام ومرونة وحسن تقدير.
إن حسن اختيار الكفاءات للمهام الحساسة لا يحمي المؤسسة من الإخفاق فحسب، بل يصون هيبتها، ويعزز ثقة المجتمع بها، ويجنبها الدخول في مواقف قد تُفهم على أنها ارتباك أو قصور في إدارة الملفات. وهو كذلك يؤكد أن المؤسسة تعمل بمنهج مهني يضع الشخص المناسب في المكان المناسب، خدمةً للوطن قبل أي اعتبار آخر.
إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى جميع المنتسبين هي أن النجاح الوطني لا يُحتكر، وأن الفضل لا يُنتزع بالقوة، وأن العمل العام لا يجوز أن يتحول إلى ساحة صراع بين الأفراد أو الجهات. فكل من يسهم بإخلاص في خدمة الوطن يجب أن يجد التقدير والحماية، لا التشكيك والتعطيل.
إن الاستمرار في مثل هذا السلوك من قبل منتسبي هذه المؤسسات قد يترتب عليه آثار عكسية، تعيد المشهد إلى ما كان عليه سابقًا، وتُهدر جهودًا كبيرة بذلتها جهات عدة، بدعم ومباركة صاحب القرار، الذي يولي أهمية خاصة لاحتواء أبناء الوطن، وترسيخ جسور الثقة والتفاهم، وحماية ما تحقق من مكتسبات.
وفي الختام، يبقى الأمل معقودًا على قيادات تلك المؤسسات في ترسيخ ثقافة مؤسسية تقوم على التكامل لا التنازع، وعلى التقدير لا الإقصاء، وعلى حماية المصلحة العامة لا تغليب الحسابات الضيقة. لأن الوطن لا يخسر حين ينجح أحد أبنائه، بل يخسر فقط حين تتحول نجاحاته إلى سبب للخلاف بدل أن تكون مصدرًا للفخر والتعاون.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير.

