لم تعد موجات الحر في أوروبا حدثاً مناخياً استثنائياً يقتصر تأثيره على ارتفاع درجات الحرارة، بل تحولت إلى تحدٍ اقتصادي واجتماعي يفرض إعادة النظر في أساليب العمل والتخطيط الحضري وقواعد حماية العاملين.
فرانكفورت (ألمانيا)- لم تعد موجات الحر في أوروبا مجرد ظاهرة مناخية موسمية، بل أصبحت عاملاً يعيد تشكيل الحياة اليومية وأنماط العمل والسياسات الاقتصادية. فمع تسجيل درجات حرارة قياسية في عدد من الدول الأوروبية خلال الأعوام الأخيرة، بدأت الحكومات والشركات والنقابات تنظر إلى ارتفاع الحرارة باعتباره تحديا هيكليا يتطلب إعادة تنظيم ساعات العمل، وتطوير بيئات العمل، وإعادة تصميم المدن والمباني بما ينسجم مع واقع مناخي جديد يبدو أنه سيستمر لعقود.
وتبرز ألمانيا بوصفها إحدى الدول التي تواجه هذا التحول بصورة متسارعة، بعدما كانت لعقود أقل تعرضا لموجات الحر مقارنة بدول جنوب أوروبا. إلا أن تكرر ارتفاع درجات الحرارة إلى أكثر من 30 و35 درجة مئوية خلال فصل الصيف كشف محدودية استعداد البنية التحتية وسوق العمل للتعامل مع هذا الواقع، وفتح نقاشا واسعا حول مستقبل قوانين العمل والإنتاجية وحماية العاملين.
ويرى خبراء اقتصاد أن تغير المناخ لم يعد قضية بيئية فحسب، بل أصبح ملفا اقتصاديا واجتماعيا يؤثر بصورة مباشرة في تنافسية الشركات ونمو الاقتصادات الأوروبية. وتشير الباحثة في السياسات الاقتصادية لدى مجموعة “أليانز”، كاتارينا أوترمول، إلى أن ألمانيا تقع اليوم في “منطقة وسطى خطرة”، إذ لم تعتد تاريخيا على التعامل مع موجات الحر الطويلة كما هو الحال في إسبانيا أو اليونان أو إيطاليا، حيث أصبحت ساعات العمل الصيفية أكثر مرونة منذ عقود.
ويعتمد النظام الألماني حاليا على قانون تنظيم أماكن العمل الذي يفرض على أصحاب العمل اتخاذ إجراءات للحد من آثار الحرارة عندما تبلغ حرارة مكان العمل 26 درجة مئوية، بينما تصبح التدابير الوقائية إلزامية عند 30 درجة، ويعد مكان العمل غير مناسب من حيث المبدأ إذا تجاوزت الحرارة 35 درجة مئوية، ما لم تتوفر وسائل حماية خاصة.
◄ المؤشرات تشير إلى أن أوروبا تدخل مرحلة جديدة يصبح فيها المناخ عاملا رئيسيا في صياغة السياسات الاقتصادية وسوق العمل
لكن هذه الإجراءات لم تعد كافية في نظر الكثير من الخبراء، خصوصا مع تحول موجات الحر إلى ظاهرة متكررة. فالتوقعات الاقتصادية تشير إلى أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة سيؤدي إلى انخفاض الإنتاجية وزيادة تكاليف التشغيل وارتفاع معدلات الغياب المرضي، وهو ما يدفع الشركات إلى التفكير في حلول أكثر مرونة.
وتقدر شركة “أليانز تريد” المتخصصة في التأمين على الائتمان أن موجات الحر المتكررة قد تكلف الاقتصاد الألماني نحو 112 مليار يورو بحلول عام 2030، نتيجة انخفاض الإنتاجية وارتفاع استهلاك الطاقة وتعطل بعض الأنشطة الاقتصادية.
وتوضح الدراسات أن الإنتاجية تتراجع بنحو ثلاثة في المئة في المتوسط مع كل درجة مئوية تتجاوز حاجز الثلاثين، بينما ترتفع احتياجات التبريد واستهلاك الكهرباء بصورة متسارعة، وهو ما يزيد الأعباء على الشركات والمؤسسات العامة.
ولا تقتصر آثار الحرارة على الاقتصاد، بل تمتد إلى صحة العاملين. فقد أظهرت نتائج مشروع “المناخ يغير العمل” التابع لوزارة العمل الألمانية أن الإجازات المرضية ترتفع بنحو 3.5 في المئة في الأيام التي تتجاوز فيها درجات الحرارة 30 درجة مئوية، وتصل الزيادة إلى ستة في المئة خلال موجات الحر الطويلة، وهو ما ينعكس مباشرة على الإنتاجية وسوق العمل.
وأمام هذه المعطيات تتجه أوروبا تدريجيا إلى مراجعة مفهوم يوم العمل التقليدي. ففي دول جنوب القارة، مثل إسبانيا واليونان، يجري منذ سنوات تعديل ساعات العمل خلال الصيف بحيث تبدأ الدوامات في وقت مبكر صباحا وتتوقف خلال ساعات الظهيرة الأكثر حرارة قبل استئنافها لاحقا عند انخفاض درجات الحرارة.
ويرى خبراء أن هذا النموذج قد يصبح أكثر انتشارا في دول شمال أوروبا التي لم تكن تعتمد مثل هذه الأنظمة سابقا، خاصة مع ازدياد عدد الأيام الحارة عاما بعد آخر.
◄ تغير المناخ لم يعد قضية بيئية فحسب، بل أصبح ملفا اقتصاديا واجتماعيا يؤثر بصورة مباشرة في تنافسية الشركات ونمو الاقتصادات الأوروبية
وتعتبر أوترمول أن تعديل ساعات العمل لا يعني تقليص الإنتاج، بل يهدف إلى الحفاظ عليه من خلال توزيع ساعات الدوام بطريقة تقلل من تعرض العاملين للإجهاد الحراري، مؤكدة أن المرونة في تنظيم العمل أصبحت استثمارا اقتصاديا وليس مجرد إجراء اجتماعي.
في المقابل تحذر النقابات العمالية من استغلال موجات الحر لتغيير قوانين العمل بصورة تمنح أصحاب الأعمال مرونة أكبر على حساب حقوق العاملين.
وتشهد ألمانيا حاليا نقاشا حول إصلاح قانون ساعات العمل واستبدال الحد الأقصى اليومي البالغ ثماني ساعات بسقف أسبوعي أكثر مرونة، وهو ما تعتبره النقابات خطوة قد تؤدي إلى إضعاف معايير الحماية المهنية إذا لم يقترن بضمانات واضحة لصحة العمال.
وترى النقابات أن حماية العاملين يجب أن تبدأ من تحسين بيئة العمل نفسها، عبر توفير التهوية والتبريد والمياه والاستراحات الكافية، بدلاً من تحميل الموظفين وحدهم مسؤولية التكيف مع الظروف المناخية الجديدة.
وفي الوقت نفسه يتجاوز التحدي حدود أماكن العمل ليشمل المدن الأوروبية بأكملها. فالكثير من المباني في ألمانيا ودول شمال أوروبا صُممت تاريخيا للاحتفاظ بالحرارة خلال الشتاء، الأمر الذي يجعلها أقل قدرة على مواجهة موجات الصيف الحارة.
ولهذا بدأت المدن الأوروبية تتوسع في استخدام الأسطح الفاتحة، وزيادة المساحات الخضراء، وزراعة الأشجار، وإنشاء مناطق ظل، وتحسين أنظمة التهوية الطبيعية داخل المباني، في إطار ما يعرف بسياسات “التكيف المناخي”، التي تهدف إلى الحد من تأثير الحرارة على السكان والاقتصاد في آن واحد.
ويرى خبراء التخطيط الحضري أن الاستثمار في هذه الإجراءات لم يعد ترفا بيئيا، بل أصبح ضرورة اقتصادية، لأن كلفة التكيف اليوم أقل بكثير من كلفة الخسائر التي قد تتكبدها الاقتصادات الأوروبية مستقبلاً نتيجة تراجع الإنتاجية وارتفاع الإنفاق الصحي وزيادة استهلاك الطاقة.
وتشير المؤشرات إلى أن أوروبا تدخل مرحلة جديدة يصبح فيها المناخ عاملا رئيسيا في صياغة السياسات الاقتصادية وسوق العمل. فكما فرضت الثورة الرقمية أنماطا جديدة من العمل، يبدو أن التغير المناخي يفرض بدوره نموذجا جديدا يقوم على المرونة الزمنية، والمدن الأكثر برودة، والمباني الأكثر كفاءة، وتشريعات عمل تراعي واقعا مناخيا مختلفا عما عرفته القارة لعقود.
وبات السؤال المطروح اليوم في أوروبا لا يتعلق بكيفية مواجهة موجة حر عابرة، وإنما بكيفية إعادة تنظيم الاقتصاد والحياة اليومية بما يضمن استمرار الإنتاج وحماية العاملين في عصر أصبحت فيه درجات الحرارة المرتفعة جزءا دائما من المشهد الأوروبي، وليس استثناءً صيفيا عابرا.

