لندن: محمد الطّورة
لقد تعودت طوال حياتي أن أقول كلمة الحق التي أؤمن بها، لا الكلمة التي ترضي هذا الطرف أو ذاك. ولم أكن يومًا أسيرًا لمواقف الناس من الأشخاص، ولا لأهوائهم في الحكم عليهم. فما أكتبه عن الرجال إنما أكتبه انطلاقًا من قناعتي بما قدموه من خدمة وعطاء، لا بناءً على ما يحمله الآخرون لهم من محبة أو خصومة. فالإنصاف لا قيمة له إذا كان انتقائيًا، والوفاء لا يكون وفاءً إذا خضع لمزاج الناس ومواقفهم.
واليوم في الذكرى السادسة لرحيل الأخ وابن العم الفريق أول فيصل الطورة الشوبكي، رحمه الله، وجدت أن من الوفاء لذكراه العطرة كأحد أبناء العشيرة ، ومن باب الإنصاف للتاريخ، أن أكتب بعض السطور عن سيرة رجل من رجالات الدولة الأردنية الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن وقيادته، وحملوا المسؤولية في مواقع مختلفة بثقة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، فكانوا على قدر الأمانة التي أُوكلت إليهم.
ولم تكن تلك الكلمات سوى شهادة صادقة أملاها ما عرفته عن الرجل عن قرب، وما سمعته من زملائه ورفاق مسيرته الذين عايشوا سنوات عطائه وشهدوا له بالإخلاص والكفاءة والتفاني في أداء الواجب. فالحديث عن الرجال بعد رحيلهم ليس ترفًا فكريًا، ولا محاولة لصناعة أمجاد متأخرة، وإنما هو توثيق لمرحلة من تاريخ الوطن، وحفظ لذكرى من تركوا أثرًا طيبًا في مؤسسات الدولة وفي حياة الناس.
غير أن ما أثار استغرابي لم يكن الاختلاف في الرأي حول ما كتبت، فالاختلاف حق مشروع، وإنما حالة الانزعاج التي أبداها بعض الأشخاص من مجرد ذكر مناقب رجل رحل عن الدنيا منذ ستة أعوام. ولم يقف الأمر عند حدود الاعتراض على المقال، بل امتد إلى الاعتراض على التعليقات الإيجابية التي كتبها كثير من المتابعين ممن عرفوا الرجل أو عملوا معه أو سمعوا عن سيرته، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى المطالبة بإغلاق باب التعليقات حتى يتم حجب أي تعليق يشيد بمواقف الرجل، وكأن التعبير عن التقدير والوفاء أصبح أمرًا يستوجب المنع والمصادرة.
واللافت أن هذه الظاهرة لا تقتصر على الأفراد فحسب، بل تمتد أحيانًا إلى بعض المنتسبين لمؤسسات وجهات مختلفة، ممن يبدون ضيقًا غير مفهوم كلما جرى الحديث عن رجال تركوا بصمة واضحة في خدمة الدولة أو حققوا حضورًا واحترامًا في مواقعهم. فبدل أن يُنظر إلى استذكار سيرتهم بوصفه وفاءً وإنصافًا وتوثيقًا للتاريخ، يُقابل أحيانًا بالتحفظ أو الامتعاض أو التشكيك، وكأن المشكلة ليست فيما يُقال، بل في مجرد الاعتراف بأن هناك رجالًا استحقوا التقدير والاحترام.
وهنا يبرز سؤال مشروع: لماذا ينزعج البعض من ذكر محاسن الرجال بعد رحيلهم؟ وما الذي يثير حفيظة بعض الناس عندما يرون الآخرين يثنون على رجل لم يعد يملك منصبًا يُطلب، ولا نفوذًا يُستجدى، ولا مصلحة تُرتجى منه؟ فالكتابة عن الأموات تختلف عن الكتابة عن الأحياء؛ إذ تنتفي معها كل شبهة تملق أو تقرب أو بحث عن منفعة، ولا يبقى إلا الصدق في الشهادة أو الجحود في الموقف.
لقد أرشدنا ديننا الحنيف إلى قيمة عظيمة حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله». ومن هذا المنطلق فإن الاعتراف بفضل الرجال الذين خدموا أوطانهم بإخلاص ليس من باب التقديس، ولا من قبيل المجاملة، بل هو لون من ألوان العدل والوفاء. فالأمم الحية تحفظ سير رجالها، وتوثق تجاربهم، وتذكر محاسنهم وإنجازاتهم، لأن التاريخ لا يُكتب بالأحقاد ولا بالغيرة ولا بالمواقف الشخصية، وإنما يُكتب بالشهادة الصادقة والإنصاف.
ومن هنا جاءت هذه الكلمات؛ لا دفاعًا عن رجل لا يحتاج بعد رحيله إلى دفاع، ولا ردًا على معترض أو منتقد، وإنما إيمانًا بأن من حق الرجال الذين خدموا وطنهم أن يُذكروا بخير ، وأن من واجبنا أن نقول كلمة الحق فيهم، وأن نحفظ للأجيال القادمة نماذج مضيئة من رجالات الدولة الذين أدوا واجبهم ومضوا، وبقي أثرهم شاهدًا عليهم.

