لندن: محمد الطّورة
كلمة في الميدان أم مادة للتحريض؟
العموم نيوز: في خضم الجدل الذي أُثير حول العبارة التي أطلقها وزير الداخلية مازن الفراية خلال زيارته الميدانية لمعبر الكرامة الحدودي، يبدو أن كثيرين انشغلوا بالكلمة نفسها، وتركوا ما وراءها من دلالات ورسائل أراد الوزير إيصالها إلى المعنيين والرأي العام.
فالرجل لم يكن في مؤتمر صحفي معدّ مسبقاً، ولم يكن يلقي خطاباً سياسياً من خلف منصة، بل كان في جولة ميدانية يتفقد فيها واقع العمل والخدمات، وعبّر بصورة مجازية مباشرة عن عدم رضاه تجاه وضع رآه لا يرقى إلى المستوى المطلوب. وفي مثل هذه الحالات، تكون العبرة في المقصود والمعنى، لا في اجتزاء كلمة من سياقها وتحويلها إلى قضية بحد ذاتها.
ومن يعرف سيرة الوزير يدرك أنه من أبناء المؤسسة العسكرية الأردنية التي عُرفت عبر عقود طويلة بالانضباط والالتزام والاحترام، وهي المؤسسة التي خرّجت رجال دولة وقادة حملوا قيم الضبط والربط والمسؤولية الوطنية. ولم يكن الوزير يوماً معروفاً بالتجريح الشخصي أو الإساءة لأحد، بل ارتبط اسمه بالعمل الميداني والمتابعة الحثيثة وتحمل المسؤولية في أصعب الظروف.
لذلك فإن تحميل عبارة مجازية ما لا تحتمل، وتصويرها على أنها إساءة أو انتقاص من أشخاص أو مؤسسات، يتجاهل طبيعة الرجل ومسيرته المهنية الطويلة. فالإنصاف يقتضي أن يُفهم الكلام ضمن سياقه الحقيقي، وأن تُقرأ النوايا من خلال سجل كامل من العمل والخدمة العامة، لا من خلال كلمة قيلت في لحظة تقييم ميداني صريح.
المفارقة أن بعض الأصوات سارعت إلى تحويل الحدث من نقاش حول واقع المعبر ومستوى الخدمات فيه إلى حملة تستهدف الوزير نفسه، وكأن المشكلة أصبحت في من أشار إلى الخلل لا في الخلل ذاته. وهذه مقاربة لا تخدم الإصلاح ولا تساعد على تطوير الأداء، بل تستهلك الجهد في معارك جانبية بعيدة عن جوهر القضية.
إن المسؤول الذي ينزل إلى الميدان ويرفض المجاملة ويعلن عدم رضاه عن واقع معين، إنما يمارس جزءاً من واجبه الرقابي والتنفيذي. أما المسؤول الذي يكتفي بالتقارير المكتبية والعبارات المنمقة رغم وجود التقصير، فهو الذي يستحق المساءلة. فالصراحة في تقييم الواقع، حتى وإن جاءت بعبارة حادة أو مجازية، تبقى أقرب إلى روح الإصلاح من لغة التجميل التي تخفي المشكلات ولا تعالجها.
لقد اعتاد الأردنيون أن تكون المؤسسة العسكرية والأمنية مدرسة في الصراحة والانضباط وتحمل المسؤولية، ومازن الفراية هو أحد أبناء هذه المدرسة. ومن هنا فإن قراءة تصريحه يجب أن تكون في إطار الحرص على تحسين الأداء والارتقاء بالخدمة العامة، لا في إطار البحث عن تأويلات متعسفة أو صناعة معارك إعلامية لا طائل منها.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس: ماذا قال الوزير؟ بل لماذا قال ما قاله؟ فإذا كان الواقع بحاجة إلى تصويب، فإن الأولى أن تتجه الجهود نحو معالجة أوجه القصور، لا نحو محاكمة التعبيرات المجازية التي قيلت في سياق السعي إلى الإصلاح وتحسين الأداء.

